اكتشف السعودية: حائل والعقال المائل !

3


ما أن يبدأ الحديث عن السياحة الداخلية حتى تجد في طياته الكثير من الشكوى وانعدام الجدوى منها، حتى باتت مقتصرة على الأسر التي لم تستطع إلى السياحة الخارجية سبيلاً. ولتبديد تلك الصور النمطية عن السياحة الداخلية قررت وزوجي مؤخرًا تخصيص جزء من إجازاتنا السنوية للسياحة الداخلية واكتشاف المملكة من جديد وذلك بزيارة مدن ومناطق لم نرها من قبل. وقد وقع الدور على مدينة حائل عروس الشمال في الأسبوع الماضي.

في رحلة طيران لم تتجاوز الساعة وخمس دقائق من مطار جدة حتى مطار حائل الإقليمي حطت رحالنا فيها. وعلى خلاف عادتنا في السياحة الخارجية التي لا نحرص أثناءها على السكن في فنادق عالمية لتوفر بدائل محلية مقاربة بالجودة ومناسبة بالسعر، نحرص أثناء رحلاتنا الداخلية على تخير فنادق السلاسل العالمية في المدينة لضمان نظافة المكان وجودة الخدمات. وبالرغم من موقعه البعيد اخترنا فندق ملينيوم حائل والذي يقع في حرم جامعتها مسكنًا مناسبًا لنا. 



بدأت جولتنا بالتعرف على أرجاء المدينة وشوارعها المختلفة التي يلاحظ فيها كثرة الحدائق العامة، والميادين التي تحمل أسماء مستوحاه من الأشكال التراثية المزدانة بها كالدلال القديمة. 

حائل التاريخية:
بعد البحث عن أهم المعالم التراثية والمواقع التاريخية في المدينة اتجهنا إلى حي لبدة الذي يقع في وسط المدينة القديمة. 


صورة ملتقطة من حي لبدة

كان السير في شوارع ذلك الحي بمثابة العودة إلى الماضي. بآبار معطلة وبيوت خاوية يكشف كل التفاف للأزقة عن فن معماري فريد نعجز عن إخفاء دهشتنا من جماله. وبالرغم من تعرض تلك المنازل القديمة للإهمال الذي صير بعضها مردمًا للنفايات إلا أن تلك الأكوام لم تقدر على حجب جمالها الآخاذ.






وعلى الجانب الآخر من حائل التاريخية يقع قصر القشلة بمعماره النجدي وزخارفه الجصية الحائلية، وهو أحد القصور التاريخية التي بنيت في عهد الملك عبدالعزيز عام 1940 للميلاد.

صورة لقصر القشلة التاريخي

بجانب هذا القصر يقع مطعم تراثي تسنى لنا فيه تذوق الأطباق التراثية الحائلية كالتمن الذي يشبه إلى حد كبير الأرز العراقي، والهريس والذي يشبه طبق الجريش المعروف والكبيبة أو كبيبة حائل وهي طبق شبيه بطبق ورق العنب الشهير. صمم المطعم بطراز يحاكي المنازل الحائلية القديمة مما جعل من تناولنا الطعام فيه تجربة مميزة.

صورة لباب منقوش بنقوش حائلية من داخل المطعم التراثي

الاعتزاز باللهجة الحائلية يظهر جليًا في استخدام المفردات المحلية حتى في اللوحات الإرشادية فكلمة الصفط تعني محفظة النقود


السوق الشعبي:
تشتهر حائل بعدد من الأسواق الشعبية، أشهرها سوق برزان الشعبي ويقع بالقرب من قصر برزان التاريخي الذي كان يعد قصرًا للحكم لكل من عائلة آل علي ومن بعدهم آل رشيد. أول ما لفت انتباهنا في هذا السوق تواجد الكثير من النسوة البائعات داخل محالهن التجارية التي تحمل أسماءهن وكنياتهن. وبحلاوة اللسان واللهجة الحائلية المميزة استعرضن لنا البضائع المختلفة من البهارات والأعشاب العطرية التي اشتهرت بها المنطقة.






 سيدة تقوم بتعبئة النعناع الحائلي المجفف

 وقد خرجت من السوق بهذا الصندوق الحديدي القديم الذي يطلق عليه محليًا اسم الشنطة كانت تستخدمه النسوة قديمًا لحفظ أدوات الزينة.



حائل الزراعية:
للوهلة الأولى يأسرك منظر الغطاء النباتي المتنوع الذي تشتهر فيه مدينة حائل، فهناك أشجار الفاكهة المختلفة كالرمان والبرتقال والعنب والتين. إضافة إلى أشجار الزيتون المنتشرة في أرجاء المدينة صانعة حدائق الزيتون. ولم يقتصر سخاء أرض حائل الزراعية الخصبة على ذلك بل امتدت إلى النخيل المطلع والذي نراه أينما ولينا وجهنا في المدينة.



شجر التين المثمر والزيتون المزهر جنبًا إلى جنب في حائل


حائل من السماء:
مع نسمات الليل اللطيفة لم يتبق لنا سوى أن نحظى برؤية حائل من ارتفاع 1200 متر فوق سطح البحر. توجهنا إلى جبل السمراء التاريخي والذي تعلو قمته موقدة حاتم الطائي الذي عهد إلى إيقاد نارها كل ليلة ليهتدي إليها المسافرون. 

صورة أرشيفية لموقدة حاتم الطائي في النهار لعدم تمكني من التقاطها بشكل واضح


عند القمة كان هناك مطل جميل يتوفر فيه محل لبيع المرطبات والمشروبات وبعض الجلسات المجهزة لتستمتع برؤية حائل منبسطة أمامك بأنوارها المتلألة.

حائل كما تبدو من أعلى جبل السمراء

منظر لجبل السمراء في النهار

حائل الحديثة:
سيلقى الزائر إلى حائل الوجه الحضاري لهذه المدينة والمواكب لتطورات العصر. ففيها الكثير من مراكز التسوق الحديثة والمقاهي والمطاعم المختلفة. 

انتهت رحلتنا السياحية ولم تنتهي بعد المزارات الجميلة في حائل. لذلك آمل من هيئة السياحة إبداء مزيد من العناية بالمنشورات السياحية المطبوعة منها والإلكترونية وتوفيرها في الفنادق ومراكز التسوق والمواقع التاريخية. تلك المطبوعات من شأنها مساعدة الزائر في تجواله وتعرفه على المدينة وكيفية قضاء وقته فيها. عدم توفر تلك الأدلة أضاع علينا فرصة زيارة متحف حائل للآثار والتراث الشعبي لعدم معرفتنا بوجوده إلا ونحن في طريقنا إلى المطار.

السياحة الداخلية بما لها وعليها من ملاحظات تبقى تجربة فريدة مختلفة لن تستطيع تخيلها دون أن تعيشها. مغادرتك حدود مدينتك باتجاه الداخل يجعلك قريبًا من هذه البلد الثرية بالثقافات المتنوعة. تقبلك لما لم تألفه عينك من قبل سيوسع مداركك ويجعلك مرحبًا أكثر بتقبل الآخر وفهم اختلافه عنك. ستستمع إلى لهجات مختلفة عن لهجتك وأطعمة تعد بطريقة مغايرة وإن تشاركنا الاسم نفسه. سترى نفسك بملامح مختلفة ومظهر مختلف لكن في النهاية ستدرك أن الجمال في التنوع والأجمل في احترامه.

ودمتم ،،

** ** **
نظرة: أن تسافر يعني أن تكتشف أنَّ الجميع مخطئون بفكرتهم عن البلدان الأخرى - ألدوس هاكسلي

التعليقات

شكرًا لتعليقك

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه