سحر الفراغ

1



كنت شخصًا يحب الاحتفاظ بكل شيء. ذاكرتي المادية تحوي قراطيس، قصاصات، قطع قماشية، ودمى. قطع متناثرة كل منها يحمل ذكرى أو موقف أو مناسبة. خزائني ممتلئة دون حاجة بأشياء مختلفة قد أستخدمها وقت الحاجة ونادرًا ما تأتي تلك الحاجة. لم أتوقف يومًا للتفكير بوقف عجلة الاستهلاك تلك بالرغم من ما تعرضت له من مواقف شتى أراها كانت مؤشرات تنبهني لذلك لكن لم أكن جاهزة للتعلم منها.
فبعد أن مكثت سبعة أشهر في شقة سكنية مؤثثة في مدينة مانشستر البريطانية حان وقت الانتقال إلى مدينة نوتنجهام. لأتفاجأ بأن  عدد الصناديق المنقولة جاوز 25 صندوقًا أختلف محتواها بين أواني منزلية ومستلزمات شخصية !
كيف قمت بجمع كل تلك الصناديق ! لا أعرف ..
بالرغم من ذلك لم أتعلم الدرس فاحتجت إلى صيفين كاملين لأفرغ شقتي السكنية في مدينة نوتنجهام التي قطنتها لمدة سبع سنوات.
حتى كان وانتقلت للعيش في منزل صديقتي نوف لمدة شهرين أثناء عملي على تعديل رسالة الدكتوراه. شقتها كانت تشبه شقتي في المساحة إلا أن الفراغ فيها جعلها أكثر اتساعًا وأبرز جمالها أكثر. فقد كانت لا تشتري من الأثاث إلا ما تحتاجه بالفعل. أريكة واحدة مزدوجة، سجادة أرضية صغيرة، مكتب للعمل، لا حاجة للتلفاز فلديها شاشة حاسب كبيرة، عدد محدد من الأواني المنزلية والتي بالكاد تكفي شخصين. كل شيء كان في منزلها بقدر.

ولأني لا أؤمن بعشوائية الصدف فإني أدركت لاحقًا أن فترة مكوثي في منزلها هي درس واقعي لأعي جمال الفراغ. فعدت بعدها وقد ألزمت نفسي بأن أعيد ترتيب حياتي لأخلق أكبر قدر من مساحة الفراغ حولي.

في العام الماضي تعرفت على النموذج الياباني في التنظيم والترتيب (Konmari Method) والذي قامت الاستشارية ماري كوندو بشرحه بإسهاب في كتابها (يتوفر حاليًا بنسخة عربية) وفي كثير من الفيديوهات التعليمية التي تعرض طرق الترتيب ووخطواته وأثره الإيجابي المنعكس على النفس والمكان.

ولمشاركة تجربتي في التخلص من الأغراض الزائدة عن حاجتي و الأدوات والجهات التي ساعدتني في ذلك، سأسرد ما يلي على شكل نقاط:

  • توقفت نهائيًا عن شراء التحف المنزلية، والشموع وخلافها. واكتفيت بتزيين المساحات بالنباتات الطبيعية
  • عمل جرد دوري للخزائن مع الحرص على تخصيص مساحة لكل نوع من المستلزمات
  • عدم تكديس القطع فوق بعضها بحيث تحجب رؤيتها
  • التخلص من أي مستلزم شخصي لم يتم استخدامه خلال السنوات الثلاث الماضية مهما كان ! 
  • عدم شراء أي مستلزم جديد دون معرفة لماذا سأستخدمه ومتى ؟!
  • القيام بذلك كله بعيدًا عن أعين عائلتي، فالآخرون يحيون لديك رغبة التملك وغالبًا ما يثنونك عن فعلتك
  • عدم الرضوخ لتوسلات الأشخاص باستبقاء أي غرض لم تستخدمه لفترة طويلة مهما كان
  • استمعت إلى بودكاست يتحدث عن كيفية فصل مشاعر الارتباط بالقطع المادية ومساعدتك في التخلص منها. تتضمنت نصائحهم تخصيص صندوق تجمع فيه جميع القطع المراد التخلص منها وتخزينها في مكان بعيد كالمرآب لمدة سنتين. في حال لم يتم فتح الصندوق خلال هذه الفترة، يتم التخلص منه بسرعة دون فتحه حتى لا تعاود مشاعر الارتباط إلى نفسك
  • استخدام التطبيق الهاتفي الخاص بنموذج كون ماري للتنظيم والترتيب. فكرة التطبيق تبدأ بتسجيلك لمساحة المسكن الذي تقطنه، وسيقوم التطبيق بعرض مشاركة الآخرين لأفكارهم وحيلهم الذكية في الترتيب بمساحات تشابه مساحة مسكنك المختار.

تطبيق كون ماري متوفر حاليًا على منصة iOS فقط


  •  بالنسبة للأجهزة الإلكترونية، فالتخلص من أجهزة الحاسب القديمة المكتبية منها والمتنقلة بات سهلاً. فجمعية إرتقاء في المملكة العربية السعودية تهدف إلى تطوير المجتمع وحماية البيئة وذلك بإتاحة الفرص للتخلص من أجهزة الحاسب القديمة وإعادة تأهليها ثم التبرع بها إلى جهات مستفيدة كجمعيات البر. أما النفايات الإلكترونية المنزلية، كالموصلات الكهربائية، الطابعات، أجهزة التحكم، الهواتف والأجهزة اللوحية فتستقبلها شركة داز السعودية لتدوير النفايات الكهربائية والإلكترونية


  • أما بالنسبة للكتب، فمهمة ترتيبها وتنظيمها تعد من أمتع اللحظات. إلا أن تدوير مالايلزم منها أوجبني الشجاعة والإقدام. وبالفعل قمت باستبعاد أي كتاب قرأته ولم أعد إليه لأكثر من خمس سنوات ولم يعد يمثَل لي مرجعًا. مثل روايات قرأتها وانتهيت منها، أو كتب معلومات عامة قديمة استجدت وسهل الحصول على الجديد منها عبر الانترنت.
    بعد أن حصرت الكتب المستبعدة، قمت بتقسيمها إلى مجموعات وعرض صورها على أصدقائي وأعضاء أندية القراءة المشتركة فيها لمن يرغب في اقتناءها. 



وأخيرًا، بعد أن تنتهي حفلة التنظيم والترتيب، أقوم بلصق ملصق ملون على كل خزانة تم ترتيبها حتى لا أعاود فتحها مجددًا والتخلص من ما تبقي! فعادة التخلص مؤذية تمامًا كحب التملك. ما أن تذوق حلاوة التحرر من الماديات تجد نفسك وقد انجرفت للتخلص من الأساسيات والتفاجؤ بعدم امتلاكها.



*****    *****

نظرة: جوهر الروح هو الحرية، وجوهر المادة هو الكم (جورج هيجل)

التعليقات

  1. سمعت الكثير عن كتاب كون ماري ونموذج التنظيم لديها مما يشوقني لقراءة كتابها وتطبيقه،
    أعجبتني اللفتة التي ذكرتيها في الأخير أن "عادة التخلص مؤذية كحب التملك!"
    تدوينة جميلة ومفيدة كعادة تدويناتك رغد، ننتظرها بشوق.

    ردحذف

شكرًا لتعليقك

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه