سر اللحظة

0


سر الحياة في اللحظة، وسر السعادة عيش تلك اللحظة متخلصين من عوالق الماضي أو هموم المستقبل.

معرفتي لهذا السر جعلني أسير على درب المعلمين والمدربين مستحضرة جميع مافي جعبتهم من الوصايا والتمارين التي تساعد النفس على عيش هذه اللحظة بجميع الحواس والتركيز على ذلك. فالتركيز يكشف لك عادات سلبية اكتسبتها دون وعي منك تؤثر سلبًا على وقع حياتك اليومية وتخلف حسرة على ضياع عمرك بما لايفيد. مثلاً: تخلصت منذ أكثر من عامين من هوس التصوير في المناسبات والاحتفالات واكتفيت بأن أعيش لحظة الفرح بكل حواسي تاركة مهمة توثيق تلك اللحظات لغيري من الحاضرين.

أما مؤخرًا، فقد تلمست الأثر السلبي الذي تخلفه بعض تطبيقات التواصل الإجتماعي في نفسي ووقتي. ومن أهمها تطبيق سناب شات والذي انشأت حسابي عليه قبل ما يقارب العام. بالرغم من حصر حسابي على نخبة معينة من الأهل والأقارب وبعض المشاهير. إلا أن الأثر السلبي تمثل اً في نقطتين مهمتين:

السبب الأول: هدر وقتي بما لايعود بالنفع علي هو ما جعلني أتخذ قرار العزوف عن استخدام هذا التطبيق. فالمتحدثين من مشاهير سناب شات لا يتميزون بشيء عنا سوى القراءة والاطلاع. وهذا يذكرني بمقولة قالها لنا الدكتور محمد الهاشمي الأستاذ المساعد في كلية الحاسبات بجامعة الملك عبدالعزيز في السنة الثالثة من مرحلة البكالوريوس. حين قال لا يتميز عنكم أولئك الذين يقدمون الدورات وورش العمل التقنية إلا بالقراءة. فهم قرأوا وتعلموا ثم طبقوا. وهذا بالضبط ما يحدث الآن. قلة من يتحدث منهم على أساس علمي متين، وكثير هم من لبسوا جبة الباحث وراحوا في تقليب الحقائق واستخلاص الغرائب من بطون الكتب القديمة وكأنهم جاء بما لم يأت به الأوائل.

السبب الثاني: يكمن في الخشية من داء الفضول وحب الاستطلاع والتعلق بتفاصيل حياة الآخرين. فمشاركة ومشاهدة اليوميات قد يؤدي إلى تكشف جوانب مخفية عنك من حياة أولئك الأشخاص وددت لو بقيت كذلك حتى لا تتغير تلك الصورة الجميلة التي عرفتهم بها.
فمجتمعنا تقليدي بطبعه، وهذا النوع من المجتمعات يمحو الشخصية الفردية للمرء، ويحدد مقاييس السعادة واللذة. وبالتالي فقد كنت ما أشاهده هو يوميات متشابهة لا تخلو من إظهار مظاهر الترف، أو الرغبة في المتعة بحد ذاتها دون هدف أخلاقي أو عملي، أو سعار مادي وهوس نحو الشراء والاستهلاك. وحيث أنه مهما حاول المرء أن يفلت من الحتميات الاجتماعية كما رأى الدكتور عبدالوهاب المسيري فإنه يجد نفسه محاطًا بها، لذا فقد نأيت بنفسي عن الدوران في هذه الأفلاك الفارغة. 


ومن بين هذا الركام المعرفي وقفت مع نفسي قليلاً وقفة صدق وسألتها ما جدوى كل هذا؟ حينها نويت إزالة التطبيق من هاتفي. وحين تنوي، يتحد الكون من أجلك! فقد بعثت لي صديقتي أمل الدباغ بالصورة أعلاه عبر برنامج سنابشات كرسالة تخبرني بمغادرتها النهائية للبرنامج، وتزامن ذلك أيضًا بنشر صديقتي رحاب مقالاً متسائلة فيه هل نحن مجرد أرقام ؟  كل هذا وغيره تتالى علي ليكون بمثابة محفزات لإنهاء مهزلة التخمة المعرفية وشتات الوقت والعقل واستبدال ذلك بما يعود خيرًا ونفعًا.

والآن أكتب بعد انقضاء أكثر من 21 يوم من الابتعاد النهائي عن تطبيق سنابشات، وهي المدة المطلوبة المتعارف عليها لاكتساب عادة أو التخلص من غيرها. يمكنني أن أخبركم الآن أني صرت أكثر تركيزًا واستقرارًا ذهنيًا. فأصبحت أعيش اللحظات مهما كانت دون توثيقها أو الاهتمام بمن شاهدها وانتظار ردات الفعل والتعليقات عليها. كما أني استطعت أيضًا إنجاز أهدافي الشهرية بشكل أسرع وأتقن. والتمتع أكثر بفائضٍ وقتي يمكن استغلاله بشكل جيد.

ودمتم ،،

*** *** ***

نظرة:

"أصبح الفرح هو اللحظات الإنسانية التي يتم فيها استعراض الثروة والتباهي بها وتزداد فيها حدة الصراع الطبقي، بعد أن كان اللحظة الإنسانية التي يتم فيها إسقاط الحدود الإجتماعية مؤقتًا ويتم تقليل حدة الصراع الطبقي ليعبر الجميع عن إنسانيتهم المشتركة"

عبدالوهاب المسيري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكرًا لتعليقك

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه