#تحدي_التدوين تجربة مررت بها

0
العاشر من شهر إبريل .. 
الساعة الثانية والربع ظهرًا ..
قاعة امتحان، جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية بجدة ..




التدوينة الثالثة: التدوين عن تجربة مررت بها أيا كانت، وما هي نصائحك لمن سيعيشها؟



أقف في منتصف قاعة الامتحان، أرقب تلك العيون المنهكة. يبدو أنها قضت ليلاً طويلاً في الدرس والمراجعة. أعود إلى الوراء مستذكرة آخر مرة وقعت فيها تحت رهبة الاختبارات. إنه امتحان اجتياز الدكتوراه أو مايعرف باسم (الفايفا).

شهر مارس عام 2014 حمل في طياته ذكرى دخولي هذا الاختبار. الفايفا الرعب الذي صاحبني منذ اليوم الأول لي في الدكتوراه. كنت استعيذ منه ثلاثًا في كل مرة يذكر. حتى سُقت إليه ذات مساء !

الدكتوراه عن غيرها من مراحلي الدراسية، لم تكن رحلة ميسرة منذ البداية. واجهتني فيها صعوبات وعقبات تنوعت بين انتقال المشرف الأول إلى فرع الجامعة في ماليزيا وصعوبة التواصل معه، مرورًا بانتقالي إلى كلية الهندسة والذي ترتب عليه تغير مسار البحث كليًا، انتهاءًا بصعوبة الوصول إلى عينة البحث وأخلاقياته والتطور السريع في صناعة الأجهزة المحمولة والذي أجبرني على تجديد كثير من فصول الرسالة على مدى سنوات البحث.





خلف هذا الباب أمضيت أربع ساعات أسأل فيها عن عمل أربع سنوات مضت في البحث والكتابة. خلف هذا الباب جلست لوحدي في مواجهة المختبرين الداخلي والخارجي. خلف هذا الباب، واجهت رعونة المختبر الخارجي بألفاظه العنصرية وأسلوبه التحقيري، لكن أمام ذلك كله رزقت الثبات. تماسكي لم ينبع إلا من إيمان صادق بالله. فقد دخلت المناقشة وقد فوضت أمري كله له سبحانه ووكلت أمري إليه مستسلمة لقضاءه وأمره تمام الاستسلام. وذلك ساعدني على التماسك وعدم اللاستجابة لذلك الأسلوب الأهوج. 

انتهت المناقشة وخرجت من هذا الباب وقد أكرمني الله بنيل درجة الدكتوراه في علوم الحاسبات من جامعة نوتنجهام في بريطانيا، بعد سنوات من الترحال والبحث والتعديل.
بالرغم من ذلك كله لن أسميها تجربة قاسية، بل تجربة خصبة. ذلك لأنها أضافت إلى شخصيتي وخبرتي الكثير. سأشارككم ببعض ما يمكنكم الاستفادة منه.

  • الاستعانة بالله قبل وبعد كل شيء. استسلامي التام لله ساعد على التحلي برباطة الجأش خلال المناقشة وهو مطلب أساسي للتأكد من ثقة الطالب بعمله، ونضوجه الفكري في تقبل النقد مهما كان.
  • التحضير الجيد للمناقشة، وذلك بقراءة الرسالة وتحديد المواضع التي يرد فيها احتمال السؤال وتحضير إجابة وافية كافية لذلك.
  • سؤال نفسك لماذا ؟ في كل خطوات بحثك لأن ذلك بالفعل ما ستسأل عنه. لذا فتحضير إجابات لهذا النوع من الأسئلة و كتابة رقم الصفحات التي وردت فيها هذه الإجابات من الرسالة سيوفر الوقت والجهد والاعصاب المستنزفة ذلك اليوم.
  • إحضار الأوراق العلمية والمصادر الأساسية التي اعتمدت عليها بشكل كبير خلال بحثك. أحضرتُ بعضها بناءًا على نصيحة مشرفتي إلا أنهم لم يطلعوا عليها.
  • توجد نماذج للأسئلة المتوقع طرحها خلال المناقشة متوفرة لدى الطلبة السابقين والمشرفين. إحرص على الحصول عليها وقراءتها. لا تعتمد عليها، هي فقط للمساعدة في توقع ما ستواجه.
  • يرغب بعض الممتحنين بمشاهدة عرض سريع عن البحث قبل البدء بالمناقشة، بينما يفضل آخرين البدء مباشرة بالأسئلة. يمكنك سؤال مختبرك الداخلي عن هذه النقطة. بالنسبة لي قمت بسؤال مختبري الداخلي قبل المناقشة بأسبوعين وأخبرني أن لا حاجة لذلك وبهذا فقد وفرت بعض الجهد والوقت للاستذكار.
  • ترتيب الحاجيات التي ستصحبها معك لقاعة المناقشة مبكرًا. أحضرت معي نسختي من الأطروحة، أوراق فارغة، أقلام، عبوة ماء ملأتها بماء زمزم، وبعض المراجع المهمة في بحثي.
  • قرأت سورة البقرة قبل الدخول للاختبار وحرصت على الاستغفار وأدعية الكرب كلما حمى وطيس النقاشات.
  •    خذ وقتك في الإجابة، الوقت كله في مصلحتك. ومن حقك أن تقضي وقتك في التفكير بإجابة مناسبة للسؤال بدلاً من التهور والتسرع بما لا تحمد عقباه.
  • من أشهر اساليب المناقشة هي المراوغة. لا تقم بالإجابة على أي سؤال مبهم. تعرضت لذلك خلال المناقشة، حين طرح علي المختبر الخارجي سؤالا وأجبرني على الاختيار بين إجابتين. استعرضت تلك الخيارات فوجدت أنها ستهوي بي إن لم أقم بشرح وجهة نظري في الاختيار. رفض في البداية سماع ذلك من باب اختبار قدرتي على النقاش، فقمت كردة فعل عكسية أن أرخيت ظهري على الكرسي وكتفت يدي وقلت له بكل هدوء: وأنا أرفض الإجابة إن لم تعدني أن تعطيني وقتي في توضيح وجهة نظري في الاختيار! حينها رمقني بنظرات زادت إصراري على موقفي. فرضخ لمطلبي، وشرحت له ما أود توضيحه و بذلك أنقذت نفسي من مراوغة كادت أن تودي بي.
  • احضر مبكرًا، الوصول إلى مقر الامتحان بوقت متسع يتيح لك التحرر من بعض قيود التوتر العصبي المصاحب لهذا اليوم.
  • كل شخص كانت له تجربته الفريدة، كنت أمني نفسي بتجربة مماثلة لتلك التي حظي بها الدكتور غازي القصيبي في مناقشته للدكتوراه (إقرأ حياة في الإدارة لغازي القصيبي)، إلا أني حصلت على تجربة أخرى فريدة أدرك تمامًا أنها تحمل دروسًا حياتية يريد الله أن أتعلمها.
  • وختامًا، لازلت أذكر أني قمت بالتقاط صورة شخصية لي قبل المناقشة وبعدها! هي رسالة ضمنية وجهتها لنفسي ألا أصاب بآفة العلم أو أغتر بالصنيع. فالفضل في الأولى والآخرة لله عز وجل، والذي أساله على الدوام أن يخلصني ويطهرني من زهو النفس والتعالي على الغير.

كثيرة هي تلك التفاصيل، إلا أني آثرت استبعاد الخاص منها والتي أرى مكان روايتها المناسب في أحاديث الأحبة و الأصدقاء. ولهذا استسمحكم بالتوقف هنا. أسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم وأن ينفع بنا وبعلمنا وعملنا عباده الصالحين.


*** ***
نظرة: والذي كفاك هم الأمس سيكفيك هم اليوم، توكل عليه وسلّم أمرك إليه تسليمًا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكرًا لتعليقك

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه