Table for One !

4


(Table for one) أو طاولة لشخص واحد، هي قاعدة حياتية ثمينة. تنص على أن الحياة تقبل القسمة على واحد. فكثير من الأنشطة الحياتية، صغيرة كانت أم كبيرة تؤجل بسبب عدم وجود رفيق يشاركنا القيام بها.

أعود للوراء لأحكي حكاية هذه القاعدة التي غيرت الكثير في حياتي:
أثناء دراستي للماجستير، كانت صديقتي سارة تدرس الماجستير أيضًا في نفس الجامعة. كان نظامنا الدراسي مختلف تبعًا للتخصص، و كذلك أوقات الفراغ. مما أوحى لسارة أن انتظارها لي أو لغيري لاحتساء كوب قهوة، أو تناول وجبة في مطعمها المفضل أو حتى مشاهدة فيلم سينمائي سيضيع عليها الكثير من الأوقات التي يمكن استغلالها. و مالضير في أن تقوم بذلك وحدها!
فقررت الذهاب إلى مطعمها و طلب طاولة لشخص واحد. بعد ذلك بأيام أخبرتني بحماس كبير عن تجربتها الجديدة، وشجعتني للقيام بها. 
وبالفعل، قمت بذلك لكن بعد مضي عام.

حدث ذات صيف، كنت أقضيه وحيدة في نوتنجهام بسبب ارتباطي بتحضيرات امتحان الترقية السنوية. مللت من الدراسة في المنزل و أحببت أن أتناول وجبة خارجه للتنفيه عن نفسي. لكني لم أجد من يرافقني لذلك. حينها لمعت في عقلي فكرة (Table for one) !

وبكل صراحة، كنت مترددة بعض الشيء لغرابة التصرف وعدم اعتيادي عليه، وهو شعور قد يواجه من يخوض التجربة لأول مرة. حملت كتبي و أوراق لي من باب التمويه!

عند مدخل المطعم سألني النادل عن عدد الأشخاص فبادرته بابتسامة مرتبكة: Table for one please ! (طاولة لشخص واحد فقط)
فأشار إلى طاولة تتوسط بقية الطاولات لأجلس عليها. قلت له بثقة: لا أريد هذه! ثم أشرت إلى طاولة منزوية في أقصى المطعم. ثم أردفت قائلة: أرغب بالجلوس هناك لأني اريد أن أركز في المذاكرة !!
وفي الحقيقة كل ما أردته هو زاوية منعزلة حتى لا أحس أن عيون الناس من حولي تراقب حالي الذي أوهمت نفسي بغرابته!
لكن أتت الرياح بما لم تشتهي رغد! رد النادل: للأسف لا نملك إلا هذه الطاولة في الوقت الحالي. وافقت على مضض، لأني لا أريد العودة إلى المنزل. فجلست إلى تلك الطاولة بعد أن نثرت كتبي عليها أتناول الطعام و أقلب الصفحات.

بعدها، أصبحت Table for one إحدى طقوسي المحببة إلى قلبي. أسترق ساعات لنفسي استمتع فيها بعزلتي عن كل شيء عدا فنجان قهوة أو كتاب. لتتطور الفكرة أكثر فتصبح (يوم لشخص واحد)، أذهب إلى محطة القطار، ابتاع تذكرة لنفسي لأي مدينة قريبة أقضي فيها نهارًا كاملاً لوحدي.
نقلت هذه العادة معي إلى الوطن بعد عودتي (غريبة كلمة الوطن لم استخدمها من زمن طويل في كتاباتي .. لا يهم! ). تحدثت عنها أمام أشخاص: 
شخصت عيون البعض ظنًا أني أعاني من عزلة غير إرادية. و تعاطفًا منهم، بدأوا باقتراح أشخاص لأصادقهم ! كنت أضحك في داخلي بصوت مجلجل ..
أما البعض الآخر فتقبل الفكرة مع هيبة و خشية من الإقدام عليها ..

يقول بوذا: "كن مبتهج في التأمل و العزلة"، و لتبتهجوا هناك كتاب خفيف عن فن العزلة مع النفس. يشرح فكرة الانعزالية بشكل مبسط. فهي ليست الانغلاق على النفس و الانعزال عن الحياة ، إنما هي الإقبال عليها بشكل مختلف دون اشتراطات لوجود أشخاص يشاركوننا البهجة.


اسم الكتاب: How to be Alone
by Sara Maitland



لا أدعو هنا إلى الانعزالية الدائمة إطلاقًا، إنما أدعو إلى تجربة صفاء النفس و التحرر من القيود الاجتماعية التي تقيد عقولنا و حرياتنا فتصيرنا آلات تدور في مدارات مرسومة على نسق متشابه ووتيرة مملة.
ودمتم ،،

*******
نظرة: "من رُزِقَ العزلةَ رُزِقَ السلام" - رغد اللويحان

#مقهى_الكتابة

4


أحب مشاركة الخبرات و كل شيء جديد أتعلمه.. أؤمن كثيرًا أن سر وجود العلاقات البشرية يكمن خلف مشاركة الحياة. فكل أسلوب حياة أتعرف عليه مهما تنوع (دراسة ، رحلة ، أماكن جميلة، كوب قهوة لذيذ، كتاب مفيد، طريقة إعداد طبق، موسيقى جميلة، مهارة وتكنيكات حياتية) أشاركه غيري كلٌ حسب مقتضاه، فحياة واحدة لا تكفي.
لعل البعض يخالفني الرأي، وصادفت الكثير منهم. ممن يضن عليك بمعلومة قد لا تمثل عنده شيء على قدر كونها ثمينة بالنسبة لك. لكن اللهث خلف التفرد و التميز في واقعنا البشري هو ما يجعلنا نعاني من بخل المعلومة في عصر انتشارها !

لكن مازالت دنيانا بخير تجود بنجوم وضاءة لا يزيدها مشاركة غيرها إلا سموًا و تميزًا لا تطلبه بل يطلبها. ومنهم أختي العزيزة سمر الموسى، التي بادرتني برسالة على تويتر تخبرني عن رغبتها بتدشين برنامج باسم مقهى الكتابة يهدف إلى مشاركة الخبرات في رحلة الدراسات العليا. وافقتها بلا تردد و كم أسعدني ذلك. فهي فرصة ثمينة أزكي بها علمي.

فكرة مقهى الكتابة كما وضحتها سمر في مدونتها باختصار هي "مجموعة كتابة للباحثات المتواجدات في مدينة لندن للاستفادة من الخبرات والكتابة بشكل جماعي في مكان عام". ومع نجاح فكرة المقهى، قررت سمر نقل الفكرة إلكترونيًا لجعله لقاءًا شهريًا يشارك من خلاله أشخاص رحلتهم في حقول البحث العلمي و خصوصًا الكتابة الأكاديمية. 

تشرفت بأن أكون ممن وقع عليهم الاختيار أولاً. فكرت كثيرًا من أين سأبدأ و عن ماذا سأتحدث. رأيت من المستحسن أن أروى حكايتي متسلسلة، أسرد من خلالها عن الإنجازات و العقبات كتجربة كاملة. و سألت الله أن تكون تجربة ملهمة ومفيدة لغيري،و بالفعل أكرمني المولى بتعليقات أثلجت صدري.

بدأت اللقاء بقولي: لا توجد تجارب ناجحة 100 % لكن توجد تجارب كاملة، فالكمال البشري يقتضي تجرع الصبر قبل النجاح، وتذوق الفشل قبل نشوة الانتصار. وتجربتي كذلك تجربة إنسانية فيها من القمم ما فيها من القيعان.

وختمت قولي بالحديث عن"زكاة العلم وتزكيته". وهو مصطلح جعلت منه مبدأً من مبادئ حياتي. يرتكز على مشاركة الأشخاص أي علم تعلمته سواء على مقاعد الدراسة أو من تجارب الحياة. فالعلم كالمال، هبة من الله يؤتيها من يشاء لمنفعة العباد، لا لتعليق الشهادات و الألقاب. ومتى ما شاركت تلك المنفعة مع خلقه، نمى علمك و ازدهر ببركة الله. كما أن زكاة العلم هي أيضًا لتزكية النفوس من شوائب الإعجاب.

ودمتم ،،،

  للاطلاع على ملخص اللقاء والذي قامت بتلخيصه مشكورة  الدكتورة سمر الموسى من خلال رابط مدونتها


**************
نظرهـ : زكاة العلم نشره !

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه