معرض عمارة الحرمين الشريفين

0


في مساحة صغيرة اختزلت قرونًا من العمارة و التشييد، كانت زيارتي لمعرض عمارة الحرمين الشريفين في مكة المكرمة.
ضم المعرض قطعًا أثرية لعصور تتالت على خدمة الحرمين، وتحفًا عكست الاهتمام الذي حظت به البقاع المقدسة.

فالمعرض المفتوح طوال أيام الأسبوع على فترات صباحية و مسائية للجميع، يعتبر مزارًا ثقافيًا لزوار المسجد الحرام في مكة المكرمة و قاصديه. وقد شيد في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله وتم افتتاحه عام 1420 هـ / 2000 م


كانت زيارتي يوم سبت في بداية الفترة المسائية. رأيت عددًا من الحافلات تقل جموعًا من الزائرين من جنسيات مختلفة من أتراك و شرق آسيويين.



أعمدة الحرم المكي الشريف وقد نقشت عليه آيات من القرآن الكريم



 سلم الكعبة المشرفة من خشب الساج مؤرخ عام 1240 هـ



واجهة عقد من الرخام يعود تاريخها لعام 984 هـ لأحد الأبواب في المسجد الحرام


من الجماليات التي لاحظتها في المعرض، الفن المعماري و الأدبي الذي ازدانت به أروقة الحرم المكي الشريف. مثل هذه الأربع بلاطات التي نقشت عليها أبيات من الشعر العربي تؤرخ لأعمال السلطان عبدالمجيد الأول عام 1258 هـ




أما أقدم القطع المعروضة فكان يعود تاريخها لعمارة الصحابي الجليل عبدالله بن الزبير رضي الله عنه في العام الخامس و الستين للهجرة، و هي عبارة عن عمود من أعمدة الكعبة المشرفة الثلاثة بقاعدته و تاجه الخشبي. تقف أمامه منبهرًا بدقة الصنع و الاتقان، فاستقامة ارتفاعه مستوية و دورانه متقن وكأنه صنع باستخدام أدوات حديثة. كما أن النقوش التي اعتلت التاج زادته فخامة. إضافة إلى وجود قاعدة حجرية يثبت عليها العمود ويحمل عليها داخل الكعبة المشرفة كما يظهر في خلف الصورة.


رسم يوضح مواضع أعمدة الكعبة المشرفة الثلاثة وتوزيعها في داخل الكعبة



ويتوسط المتحف باب للكعبة المشرفة أمر بصنعه الملك عبدالعزيز رحمه الله عام 1363 هـ



 ستارة باب الكعبة المشرفة


و للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور أثر في المعرض. و بالمناسبة، هو من الشخصيات التاريخية المحببة لدي منذ صغري ويعود ذلك إلى ارتباط سيرته بمسلسل شهير كان يذاع في رمضان باسم (طرائف أبي دلامة) . فحسنات الإعلام الهادف الذي كنا نشاهده في صغرنا زرع في نفسي حب هذه الشخصية التاريخية و التعلق بها.

نص تأسيسي على الرخام لعمارة المطاف في عهد أبي جعفر المنصور عام 631هـ
وشاركت القطعة في معرض الحج المقام بمعهد العالم العربي بباريس عام 2014م



و للمسجد النبوي زاوية عرض أخرى، حوت بين جنباتها قطعًا نادرة مثل:


واجهة من النحاس المطلي كانت مثبتة فوق الفتحة الواقعة بين المنبر والمحراب في المسجد النبوي و يعود تاريخها إلى 1277 هـ


باب من أبواب المسجد النبوي يعود عهده للملك عبدالعزيز آل سعود 


شباك من الجص يعود عهده إلى عصر التوسعة السعودية الأولى، يفتح بزاوية تسمح للهواء التحرك حسب اتجاه الرياح


ساعة وجدت في المسجد النبوي وهي من الساعات التي أهداها السلطان العثماني عبدالمجيد الأول عام 1277 هـ


أما آخر صالة عرض في المتحف كانت مخصصة لبئر زمزم و ما وجد بداخله من تذكارات تاريخية.


مجسم بئر زمزم والذي كان في الحرم المكي الشريف إلى عهد قريب


عبوات مختومة لماء زمزم مصنوعة من الزنك


 مزولة شمسية لتحديد أوقات الصلوات كانت موضوعة على سطح بئر زمزم مؤرخة عام 1023 هـ


ساعة اشتراها الملك عبدالعزيز ووضعت فوق دار الحكومة (الحميدية) عام 1352 هـ 


وفي نهاية الزيارة يوجد مكان مخصص لاستراحة الزائرين زُيّن بدروع وشهادات شكر من جهات عالمية و دولية قامت بزيارة المتحف



كما أن المتحف يقدم خدمات نقل الزوار من و إلى المعرض بحافلات نقل مخصصة


قد لا يبدو المعرض كبير الحجم بشكل يتناسب مع العمر التاريخي لعمارة الحرمين الشريفين، فحجم المعروضات و عددها يعتبر قليل مقابل ما يتوقع أن يجده الزائرون. فقسم المخطوطات مثلاً يفتقر إلى نسخ أصلية من المصاحف و أمهات الكتب، وعولج الأمر بالاكتفاء بصور و عناوين رمزية لنسخ مقلدة. أما غالبية المعروضات فتعود إلى العهود القريبة من الخلافة العثمانية و الدولة السعودية.

وهنا بعد الشكر و الامتنان على وجود متحف كهذا في مكة المكرمة لا بد من أن يطرح السؤال نفسه في هذا الموقف؟
أين اندثرت تلك البواقي من الأزمنة و العصور ؟
بالتأكيد هناك الكثير منها في متاحف عالمية أو شخصية، لكن سياسية استرداد القطع و المخططوطات وجمعها في متحف واحد غير واضحة المنهاج، بالرغم من وجوب توضيحها للعامة عن طريق تغطيات إعلامية.

كما أن المعرض افتقر إلى وجود نشرات دورية تنشر قوائم المعروضات الجديدة، ومشاركة قطع المعرض في المناسبات الدولية. قد لا يكون الاهتمام الشعبي بهذا واضحًا وجليًا، لكن لا ضير من وجودها سلفًا من باب الإحسان و تمام العمل.

ودمتم ،،،


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكرًا لتعليقك

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه