دقائق الانتظار املأها .....!

3


تضيع أوقات حياتنا في الانتظار: في وسائل المواصلات المختلفة، المراجعات،  الطوابير، وفي صالات الأسفار.

فأوقات الانتظار وإن طالت تمنحك لحظات رائعة، وهي هبة من الله إن أحسنت استخدامها وتوقفت عن استغلالها في ما لا يفيد، كإطالة النظر إلى "من حولك" وليس إلى "ما حولك". فتكسر بذلك حواجز خصوصياتهم التي يتمتعون بها في الحيز المكاني المشترك.

علاقتي مع الانتظار جيدة. بدأت بفهم أبجدياتها منذ سنواتي الجامعية الأولى، حيث أن المنزل كان يبعد عن الجامعة ما يقارب الخمسة وعشرين دقيقة، كنت أقضيها صباحًا بالذكر واشغلها مساءًا بالقراءة

و مع الابتعاث أضيف إلى جدولي ساعات انتظار كثيرة بين التنقل في القطارات، وانتظار الحافلات، وفي المطارات، و الطوابير الطويلة. تعلمت خلالها الكثير عن مهارات الانتظار.


و استعدادًا لها، أملأ حقيبتي بشتى الأسلحة التي يقطع بها الزمن:
فهناك كتب اقرأها، وقصاصات ورق و أقلام اخط عليها و أنظم بها مهامي.
وهناك هاتفي الذي أقرأ من خلاله رسائل البريد المتراكمة. وهناك أيضًا دفاتري وأوراقي الدراسية التي أنثرها أمامي على الطاولة في القطار أو الطائرة.
أما جهاز الآيباد الذي انضم حديثاً إلى ترسانة أسلحتي أدون من خلاله في مدونتي، وها أنا أكتب لكم هذه التدوينة من ردهة  الانتظار في إحدى المستشفيات.
و متى ما كللت أو مللت أكتفي بوضع سماعات الأذن وأسبح بعيدًا حيث يأخذني الفضاء إلى مزيدٍ من لحظات التأمل و السكون.

وحيث أن أدواتي  لقطع الوقت تقطع الألسن أيضًا، فالبعض يذهب لأبعد من البحلقة و إطالة النظر إلى الاستفسار عن سبب مراجعتك للطبيب مثلاً؟!، أو مراقبة تصرفاتك وعباداتك، لينهال عليك سيل من فتاوى الإجازة و التحريم التي لا يوقفها إلا قول: جوزيت خيرًا.

في المستشفيات البريطانية يتم ترتيب كراسي الانتظار بطريقة تعطي لكل مريض خصوصيته قدر الامكان دون ان تحاصره نظرات الملولين من الانتظار، و يملأ المكان بصحف و مجلات طبية حديثة، وبمنطقة ألعاب يمكن للوالدين استغلال وقت انتظارهم في مشاركة اللعب مع صغارهم بدلا من أن يتمرجح الطفل جيئة وذهابًا بين أم تقول له اذهب إلى أبيك، و أب يعاود ركله لغرفة انتظار النساء ويندد بقول: اذهب وأجلس مع أمك !!

وليست الآماكن الأخرى بمنأى عن ذلك، فالمشهد يتكرر ويتكرر مع نفس الوجوه الملولة و المتأففة صغارًا و كبارًا، ونفس الجو المشحون بالتوتروالتذمر من بطء مرور الوقت.

أما ما يزيد أوقات الانتظار طولاً، ما يعتبره البعض دهاءًا و حيلة حين يتجاوز دورك دون استحياء أو استئذان من باب "جيتك من طرف فلان" أو أنا "فلان" بعينه!

ودمتم ،،،

****************

نظرة: "إذا أردت أن تحرر عقلك فاخرج به من دائرة الزمان والمكان. إنّ العالم الحقيقي هو ليس ذلك العالم الجسدي الذي نعيش فيه الآن ويحكمه الزمن، فهذا العالم الذي نعيشه هو عالم مزيف نراه فقط من خلال حواسنا المحدودة. ولذلك دع عقلك يعيش في الحقيقة المجردة التي لا يحكمها زمان ولا مكان"
اقتباس من كتاب رحلة مع الذات لرنا الناظر


مالي و للقدس ؟!

0


أن تعرّف القدس منذ سنواتك الابتدائية الأولى .. بأنها عاصمة لفلسطين المحتلة.
أن تدرسها جغرافيًا و تاريخيًا .. 
أن تسمعها الخبر الأول في كل نشرة أخبار .. وتقلد الصبية في رمي الحجارة و تغني خيبر خيبر يا يهود
دون أن تعي ما هي خيبر و من هم اليهود ...

أن تسأل البراءة معلمتنا الفلسطينية: مس جيهان ليش ما تزوجتي ؟
فتتطرق برأسها قليلاً و ترفعه شامخة .. وتقول: خطيبي استشهد!
فتتسع العيون الصغيرة بدهشة: كيف يعني استشهد ؟ و وين ؟
فتقول : في فلسطين !

في السنة التالية و خلال الفصل الدراسي تدخل علينا مس جيهان و تخبرنا بأنها سترحل مع عائلتها إلى فلسطين.
نصرخ جميعًا: مس لا تروحي .. ستستشهدين !
تخبرنا بهدوء بعد أن تحلقنا حولها: لابد أن أذهب .. هذا وطني 

لم ننهي المرحلة الابتدائية حتى عرفنا معنى رفح، و المعبر ، و مفتاح الاتصال الخاص بدولة فلسطين.

ننتظر الأعياد، لترقص أصابعنا الصغيرة على أزرة الهاتف ونضغط رقمًا بعد رقم منتظرين بشوق سماع صوتها في الجهة الأخرى.
ومن منا كان يحالفه الحظ؟ فالخطوط مشغولة أو مقطوعة ..

و نكتفي بأن نسمع أخبارها من زميلة حاولت و حاولت حتى استطاعت التقاط الخط و اجراء الاتصال في دقائق معدودة
و نطير فرحًا إن وصلت إلينا رسائل مكتوبة عن طريق أستاذات فلسطينيات في المدرسة. فنقرأها مرارًا وتكرارًا وكأننا نستشف من حروفها أمل العودة.

وكبرنا .. وكبرت قضية فلسطين.. فلم تعد تمثل لي فقط أستاذة رحلت ...
وكبرت تلك الصبية .. فلم يكن لقصص العشق و الغرام التي تأسر الفتيات في هذا العمر مكان في عالمها
بل كتب تاريخ القدس و بروتوكولات صهيون .. و أمنية دراسة العلوم السياسية
رأت القدس حلمًأ .. و فلسطين حق مغتصب ..  

وكبرنا .. وكبرت قضية فلسطين .. فلم تعد حق مغتصب ..
وكبرت تلك الشابة .. ورأت من العرب من يتنصل من القضية ..
"باع القضيةَ أهلها ... فما لنا ومالها"
"السياسة العربية لا تريد تحرير فلسطين"
وعرفت تلك الشابة معنى العملاء من الفلسطينين ..
ومعنى خوف الفلسطيني من أخيه الفلسطيني في المهجر ..
ومعنى أن يصرخ فلسطيني .. القدس لنا و جميع العرب خونة

وكبرنا .. وكبرت قضية فلسطين .. و دنس الأقصى
و بدأت طلائع مقاطعة البضائع الإسرائيلية .. البعض انساق .. و الاخر بقي محايدًا
فكوب قهوة لن يعيد القدس !
و بقيت تلك الشابة على مبادئها متحدية أي استهزاء يصدر أو استخفاف بموقفها
مؤمنة أن النار من مستصغر الشرر
وأن الحياة مبدأ ..
ومبدأها كبح جماحها عن ملذات كثيرة ..
فكم دعيت لمقاهي ستار بكس فجلست دون أن تطلب شيئًا .. 
وكم دافعت عن أصل شطيرة الفلافل الفلسطينية كما وكأنها تدافع عن حدود فلسطين



نعم كوب القهوة سيعيد القدس .. وشطيرة الفلافل الفلسطينية ستبهجها ..
ستقف يومًا بفخر بأنها صمدت ومازالت على المقاطعة منذ أربعة عشر عامًا
لأنها آمنت ببساطة أن الحياة مبدأ .. و فلسطين قضية العرب أجمع

أرجوكم .. لا تدنسوا القضية إن لم تفهموها  .. 
فالقضية أكبر من كوفية ترتدى في مظاهرة لا لشيء سوى لصورة عابرة ننشرها هنا و هناك بين الأصحاب ..


صورة لمظاهرة نظمت من اتحاد الطلبة الفلسطينيين في جامعة نوتنجهام عام 2012

*****************
نظرة: قال الرسول صل الله عليه وسلم: " لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك،قيل يا رسول الله اين هم؟، قال: بيت المقدس و أكناف بيت المقدس"

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه