جبل ثور و التجربة الماليزية !

2

أخيرًا، عشت تجربة الصعود لغار ثور في مكة المكرمة. ومع هذا التقرير المصور للرحلة، أنقل مشاهداتي وأوثّق تجربتي لمن أراد يومًا زيارته.
وصلنا إلى سفح الجبل في الصباح الباكر، فقد اخترنا هذا التوقيت لتجنب شمس النهار الحارقة. وحيث أن ارتفاع الجبل وصولاً للقمة يبلغ 728 متر، فقد استغرقت رحلتنا صعودًا قرابة الساعتين و أربعين دقيقة. أما الهبوط فقد تم خلال ساعة ونصف. تخلل كلا التوقيتين بعض الوقفات للاستراحة والتقاط الأنفاس.

جبل ثور من بعيد

جبل ثور يقع في حي الهجرة ويطل على معظم أحياء مكة المكرمة الجنوبية. ظننت قبل وصولنا أننا سنكون من القلة المتواجدة لصعود الجبل، لكن الأعداد الغفيرة من الزائرين إضافةً إلى عدد الحافلات الكبير الذي ملأ أرجاء سفح الجبل أعطى صورة متكاملة عن حجم الزيارة التي تحظى بها هذه الأماكن التاريخية. كانت أغلب الحملات التي صعدت الجبل من الجنسية الباكستانية و التركية بينما فضًلت الحملات الشرق آسيوية التقاط الصور التذكارية عند سفح الجبل دون صعوده. أما التواجد السعودي فكان معدوم بصورةٍ نهائية في المنطقة!

 محلات لبيع الهدايا التذكارية على زائري غار الهجرة النبوية المباركة

استراحات بدائية أسفل سفح الجبل

يوجد عند بداية الجبل موقعٌ مغلق لهيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. بالإضافة إلى لوحة إرشادية كبيرة متعددة اللغات توضح أحكام زيارة الغار. على الصعيد الآخر، لم يكن هناك أي تواجد للهيئة العامة للسياحة و الآثار ! هذا إذا اعتبرنا أن تواجدهم من باب أولى بحكم أن هذا أثر و هذه سياحة دينية إن صح التعبير !!

 
مقر هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في سفح الجبل


أما طريق الغار فتختلف تضاريسه من مكان لآخر، حتى يزداد انحدارًا و وعورة كلما ارتقينا أكثر فأكثر.

 الطريق في بداية صعود الجبل

استطعنا رؤية ساعة مكة بوضوح ، أما منارات الحرم المكي الشريف فلم نستطع رؤيتها إلا عند وصولنا إلى القمة

يمكن مشاهدة مكة بشكل بانورامي من أعالي الجبل


مع الاقتراب للغار بدأ يضيق الطريق وتزداد وعورته


 عبارات و تواقيع سطرت و حفرت على حجارة الجبل بلغات عديدة، بعضها كان تشويهًا وبعضها جميل كقطعة فنية

حجارة رصت فوق بعضها مكونة جدار لإحدى الاستراحات فوق الجبل


أما غياب الجهة الرسمية عن موقع أثري نبوي كهذا خلّف مشاهد مزعجة توجع القلب وتدميه حسرةً على ما لحق بهذا الغار من إهمال شديد و من مشاهد سلبية:

1- أثناء صعودنا ظهرت جليًا مظاهر الإهمال الذي يحيط بهذا الأثر النبوي. اعتداءات سكانية امتدت إلى أطراف جبل ثور. واستقطاع أراضٍ وتكسير أجزاء منه. فأين حماية الآثار والأراضي الحكومية من العبث والاعتداء؟ فإن كانت آثار مكة بدأت بالاختفاء، فآثار مثل هذه لا تقبل المساومة ولا تخضع للجدل أبدًا !

 صورة توضح استقطاع أراضي من جبل ثور

صور للاعتداءات و تكسير منطقة جبل ثور لصالح مشاريع غير مسمية


2- أثناء صعود الجبل افترش بائعوا الطريق بضائعهم الصينية يتصيدون جهل الزوار ببيعهم أحجارًا صناعية وخواتم للتبرك، أو لعلها تذكارات من هذا الجبل.



3- انتشار عدد كبير من العمالة المخالفة للإقامة النظامية فوق الجبلز وبطريقة تسول ذكية حملوا أدوات حفر لتمهيد و تعبيد الطريق للصاعدين. وما أن تجتازهم دون أن تضع في صندوقهم بضع ريالات حتى يبدأون بمناداتك والإشارة إلى الصندوق وكأنه ضريبة لابد أن تُدفع !
ولا ألومهم! بل اللوم يقع على من قصّر بواجبه اتجاه دينه ووطنه. فهم وجدوا في هذا الجبل ملاذًا ومصدرَ رزقٍ. فاستوطنوا قممه وجعلوا منها مراقد ومستقرًا لهم.


عبدالغني رجل من باكستان يتكسب من تسوله فوق الجبل !

4- يوجد فوق الجبل استراحتين غير نظاميتين يباع فيهما الماء وبعض المرطبات و الوجبات الخفيفة. وتوفر مكانًا متسخًا للتوقف و الاستراحة أثناء صعود الجبل.



الاستراحات غير النظامية فوق جبل ثور

مصلى مهمل لإقامة الصلوات في أعلى الجبل، ويظهر على يمين الصورة طريق الدائري الثالث

5- النظافة وما أدراك ما النظافة فوق هذا الجبل الذي يأن من وطأة المخلفات على ظهره. لماذا لا تكون هناك مبادرات وخطى إيجابية من مدارس مكة المتوسطة و الثانوية أو حتى من النوادي الطلابية في جامعة أم القرى تقوم بحملات نظافة لإزالة المخلفات والمهملات من على الجبل.


 أطنان من قناني المياه البلاستيكية تملأ الطريق بشكل مشوه

 مخلفات استراحة مزالة

لا أظن أن مسلمًا يسره رؤية هذا المنظر بالقرب من غار الهجرة ؟!

وجود المخلفات نتج عنه وجود حيوانات مشردة. فالتشرد في الجبل طال الإنسان و الحيوان

وأخيرًا بعد أن اجتزنا جميع ما سبق من ملاحظات سلبية ومشاهد. وصلنا إلى غار ثور

 غار ثور من مدخله العلوي، يدخله الزائرون ويصلون فيه

 مخرج الغار 

الغار كما لم يحفظ أو يعتنى به !

هذه التجربة جعلتني أعود للوراء إلى تجربة سابقة في جزيرة لنكاوي الماليزية. ففي تلك الجزيرة يقع جبل على ارتفاع 700 متر فوق سطح البحر لا يحمل أي دلالات أثرية أو تاريخية تستحق الزيارة، لكنه يطل على منظر خلاب لأرخبيل الجزر الماليزية. طيلة صعودنا لغار ثور كنا نقوم بمقارنة التجربتين فوجدنا أنه من الذكاء تطبيق التجربة الماليزية على جبل ثور. 


 وجود جسور للمشاه لصعود الجبل في لنكاوي

استخدام العربات المعلقة لصعود الجبل

 فالتجربة الماليزية استخدمت العربات المعلقة للصعود إلى قمة الجبل، والجسور كمسارات منظمة للمشاة. هذا بالإضافة إلى توفير استراحات نظيفة، صالحة للاستخدام البشري ! وتقع في مواقع مختلفة الارتفاع لتخدم بشكل عملي. كذلك توفر سبل السلامة لزوار الجبل.


السياحة الدينية موجودة شئنا أم أبينا، فمن المستحيل تطويع قوافل الطوائف و الملل و النحل المختلفة على مبدأ عدم مشروعية زيارة هذه الأماكن بحجة سد ذرائع البدع. كما أن الانشغال عن حماية هذه الأماكن لن يشفع لنا أمام العمل المشين الذي يتعرض له الغار من إهمال لا يُغتفر و تخريب وسوء عناية ونظافة.

يمكن لهيئة السياحة و الآثار الاعتناء بهذا الجبل و صنع سياحة دينية حقيقية تربط الأجيال بموقع حدثٍ جليلٍ في تاريخنا الديني، بدلاً من أن تُدار هذه السياحة خِفيةً بيد عمال خالفوا قوانين الإقامة النظامية، وجنوا ثمارها لصالحهم. 

ودمتم ،،،

*************
نظرة: صورة بانورامية لمكة المكرمة من أعلى جبل ثور


التعليقات

  1. مشكلة الحفاظ على المناطق الدينية و التراثية و الشعبية من اكثر المواضيع المهملة لقلة وعي المخططين و متخذين القرار ...

    ردحذف
  2. دكتور عبدالله ..
    لقد أسمعت لو ناديت حيا ،، ولكن لا حياة لمن تنادي
    إننا نناضل جميعًا حتى تنال هذه المناطق حقها في التعايش مع العمران الحديث .. وبإذن الله سيكون هناك وعي قادم :)

    ردحذف

شكرًا لتعليقك

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه