سباق للحياة ..

0
قال الله تعالى (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جميعا)

في الإسبوع الماضي كان موعدي لتحقيق أحدى الأمنيات التي خططت لها منذ سنواتي البريطانية الأولى وهي الإشتراك في السباق الخيري الأشهر على مستوى مدن بريطانيا (سباق للحياة). وبعد أن أتممت السباق ولله الحمد والمنة أن سنح لي بتحقيق هذه الأمنية، جاءتني استفسارات عديدة عن كيفية الإنضمام لمثل هذه السباقات، فحّق علي أن أكتب عنها و أوضح أهدافها.
سباق من أجل الحياة هو سباق خيري ينظم بشكل دوري في مدن بريطانيا المختلفة تحت إشراف معهد أبحاث السرطان في المملكة المتحدة وهو سباق مخصص للنساء فقط بمختلف الفئات العمرية. إنطلق أول سباق عام 1994 في لندن بمشاركة 680 إمرأة ليعلن جمع التبرعات لتغطية تكاليف الأبحاث عن أكثر من 200 نوع من أنواع السرطان.
البداية:

الخطوة الأولى في للاشتراك في السباق هو زيارة موقعهم الالكتروني لاختيار المدينة و التاريخ المناسب ومن ثم اختيار مسافة السباق التي ترغبين بقطعها، مع دفع رسوم تسجيل تقدر ب14 باوند.
بعد إتمام عملية التسجيل وبشكل منظم يتم إرسال بريد إلكتروني يتضمن رقمك التسلسلي في المسابقة بالإضافة إلى تعليمات إنشاء صفحة لجمع التبرعات. عادة يكتب في هذه الصفحة سبب اشتراكك في السباق و بطريقة سهلة يتم جمع التبرعات عن طريق مشاركة رابط الصفحة مع الأصدقاء في وسائل التواصل الإجتماعية وغيرها.


 

جميع الأموال المجموعة تذهب مباشرة إلى رقم حساب الإيداع الخاص بمركز أبحاث السرطان دون الحاجة إلى جمعها بشكل شخصي من قبل المتسابقة.  ومايزال مسلسل التنظيم مستمرًا بشكل يستحق الوقوف عنده كثيرًا. فلا يقتصر التواصل مع المتسابقة إلى الحد المذكور سابقًا، بل يمتد إلى إرسال نشرات تدريبة وجداول أسبوعية تتضمن تمارين تساعد المتسابقة على تدرب للسباق و الاستعداد له بدنيًا.

 


وقبل موعد السباق بشهر تقريبًا، وصلني عبر البريد طرد بريدي من مركز أبحاث السرطان كان بداخله ملابس رياضية قمت بشراءها من موقعهم تحمل عبارات تشجيعية للتصدي لمرض السرطان، بالإضافة إلى رقمي التسلسلي مطبوعا على ورقة كبيرة لأرتديه بشكل واضح يوم السباق، وملصق كبير يكتب به عبارات تشجيعية للمتسابق قمت بإعطاءه لأصدقائي لكتابة عبارة تشجيعية، و أخيرا ملصق آخر يجب أن أكتب به رسالة ألصقها خلف ظهري أذكر فيها لأجل من أقوم بخوض هذا السباق.




يوم السباق:

في اليوم الموعود، توجهت بصحبة أصدقائي إلى الحديقة التي سيقام فيها السباق. الحضور كان قبل البدء بنصف ساعة تقريبا لأداء تمارين الإحماء بشكل جماعي بجو مليء بالبهجة و الحماس. الحديقة جُهزت بخيم للإسعافات الأولية و نقاط الإرشاد بالإضافة إلى توفر مقاهي إنتشرت في أكثر من موقع و دورات مياه متعددة.
كان الحشد كبير أتوا فرادا و جماعات، تلونوا باللون الوردي و ألصقوا رسائل تحكي قصصهم وتجاربهم مع السرطان. كانت رسالتي موجهة إلى والدي رحمه الله الذي فقدناه مبكرًا بسبب صراعه مع سرطان الكبد و البنكرياس و الذي لم يدم طويلا.

 




قبل إنطلاق السباق تم تقسيم المتسابقات إلى فريقين كل فريق إنضم خلف الراية التي نصبت، أحدها يمثل مجموعة الهرولة والتي ستنطلق أولا ثم تليها الأخرى للمشي. قبل إنطلاق صافرة البداية وقف الجميع دقيقة صمت حدادًا على أرواح الطيبين الذين ودعوا الحياة بسبب مرض السرطان.



أثناء السباق كان لي مشاهدات عدة كنت أسجلها خلال سيري في السبق و سأسردها على شكل نقاط مصورة:


لفت إنتباهي تفاوت فئات الأعمار المشاركة، فهذه سيدة تمارس تمارين الإحماء معنا قبل إنطلاق السباق، كذلك كان هناك سيدة من ضمن المشاركات احتفلت بعيد ميلادها الثامن و السبعين. وحتى الصغيرات اللاتي يخطون خطواتهن الأولى كان لهن في السباق نصيب.


اصطحب عدد لا بأس به كلابهم المنزلية ليقوموا بنزهتهم الأسبوعية أثناء أداء السباق وقد زينوا بالشرائط الوردية أيضًا




هذا مشهد آخر لفت انتباهي و أثر فيني كثيرًا، هذه صورة لسيدة كفيفة آبت إلا و أن تشارك في السباق بقيادة كلبها الذي كان دليل لها حتى تخطت خط النهاية. 


كان إلتقاط هذه الصورة صعبًا نوعًا ما لسبيين، الأول أنها جمعت صورة لعربة سيدة من ذوي الاحتياجات الخاصة قامت بأداء السباق بمساعدة عجلات كرسيها المتحرك. و السبب الآخر هو تجمهر سيدات أحضرن والدهن المصاب بالسرطان على عربة ُزينت بالبالونات الوردية و تناوبن على دفعه طيلة السباق. حين حادثتهن عللوا لي أن هذا سيرفع من معنوياته كثيرًا مما سيساعده على الشفاء



كان التنظيم هو سيد السبق و نجمها، فلم يظهر النقص في تنظيم هذه الفعالية أبدًا، ابتداءا من اللوحات الإرشادية و انتهائًا بتواجد المتطوعين على أهبة الأستعداد وقفوا على أطراف ميدان السباق لتقديم المساعدة عند الحاجة.



صورة لسيدة مشاركة مع طفلتها الرضيعة قامت بإلصاق صورة ابنتها خلفها إشارة إلى أنها تتسابق لأجل المستقبل




كان لوجود دعم الأصدقاء أثر كبير في إتمام السباق و إضافة جو من البهجة و لله الحمد. شكرًا فهد، شكرًا أماني و شكرًا نوف :)
كذلك الشكر الجزيل لكل صديق وصديقة دعموني سواء بالمال عبر صفحة التبرعات أو حتى بإرسال رسائل تشجيعية قبل و خلال يوم السباق وشاركوني فرحة الإنجاز. أنتم الأفضل و أنتم كنز حياتي شكرًا لكم فردًا فردًا :)



وأخيرًا وليس آخرًا، حصل الجميع في نهاية السباق على ميدالية تشجيعية حملت شعار السباق وسنته للذكرى.

بعد السباق:



بعد إتمام السباق تلقيت رسالة شكر من قبل أبحاث السرطان في بريطانيا حملت بداخلها شرحًا مفصلا لكيفية توزيع التبرعات بشفافية كبيرة. فمثلاً: (للإطلاع على بقية قائمة النفقات المفصلة)

* كل 10 باوندات ستكون كافية لشراء عدد ما يكفي من الشرائح الزجاجية لفحص 300 عينة ورم تحت المجهر
* كل خمسين باوند ستكون كافية لشراء خمسين ميزان حراري لا غنى عنه للتجارب التي تحتاج القيام بها في درجات حرارة دقيقة جدًا
* كل مئة وعشرين باوند تكفي لتمويل مستشار مدرب لتدريب الممرضات على تقديم خدمات خاصة لمرضى السرطان من خلال القدرة على التعامل معهم نفسيًا ومع تجاربهم التي يلعب الجانب العاطفي فيها دورًا كبيرًا

بالإضافة إلى إبلاغي بوجود مراكز لاستقبال التبرعات العينية مثل الملابس، الكتب، الأدوات المنزلية.


خلال السباق كثير ما سألت نفسي هذا السؤال: مالذي أخرج تلك الأعداد الغفيرة في صباح يوم أحدٍ من منازلها لتقطع هذه المسافات؟

أي روح معنوية هذه، أهي آلام المعاناة و الفقد من أخرجتهم، أم هي روح الوعي بأهمية الفرد وكونه هو العنصر الأساسي في عملية التغيير للأفضل ؟

آمنت أن التغيير لا ينتظر منا توفر ظروف مناسبة، فإن توفرت القدرة فإنها عرقلت الكثير من القادرين، بينما دفعت الإعاقة بالأكثر لخوض المغامرة.
وإن توفر نشاط الشباب فقد أقعد كثير في منازلهم يتقلبون على فرشهم أو يتخفون في الظلام خلف شاشات خلقت لهم عوالم افتراضية صنعت منهم متكلمين و أبطال وهميين. بينما خاض السباق سيدات في الستين و السبعين.

وإن توفرت البيئة المناسبة و الفعالية المنظمة، فأني لم أجد في السباق إلا 3 سيدات محجبات كنت إحداهن. و قلة من الفتيات المبتعثات ممن عرفت خضن هذه التجربة من قبل.

إذًا ليس كل ما سبق، إنها روح الإيمان بالتغيير يبدأ من الداخل، ليست الأماني وحدها دون العمل ستصنع المستحيل.
أخرجوا من عوالمك الافتراضية، انتهزوا فرصة التواجد هنا بالتفاعل مع المجتمع وخوض تجاربه المختلفة، اتركوا لأنفسكم بصمة في كل مكان. و انقلوا خبراتكم وتجاربكم في حقائب عودتكم فهذا ما نحتاج له أكثر من شهادة علمية جرداء من أي خبرة حياتية

والله من وراء القصد.


نظرة: أخر من وصل إلى خط النهاية سيدة تبلغ من العمر ثلاثة و ثمانون عامًا كانت تستند على ذراع حفيدتها !

نُشر هذا المقال "بتصرّف" في صحيفة ام في آر الإعلامية بتاريخ 17.06.2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكرًا لتعليقك

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه