أغلقوا أبوابكم بإحكام !

2


بعد الحصول على المنزل الجديد، تبدأ رحلة العناء في البحث عن أثاث يليق بالمنزل من حيث الجودة، الفخامة، الحداثة و الغرابة أحيانًا. لتطول الفترة أكثر فيتعدى مجهود البحث إلى الاواني المنزلية وخصوصا ما يطلق عليها آنية الضيافة.
و بعد أن يكتمل المنزل، يغلق الباب و يوصد بإحكام بوجه كل طارق لا يتناسب مع معايير و مقاييس الضيوف الذين يُترقب زيارتهم للمنزل. حتى وصل الأمر إلى إقصاء أقرب الأقربين من أخ و أخت فيصبحوا أبعد ما يكونوا عن زيارة تحفة الزمان و المكان! 
في كل مرة أقوم بزيارة المملكة ألحظ ازدياد الفجوة أكثر فأكثر و انعدام الزيارات المنزلية إلا عند من رحم ربي، مع قلة حضور الضيوف و الزائرين الذين اعتادوا قديما المبيت و الاقامة لأيام. حيث حكمت علينا المدنية أن نلتقى بضيوفنا في المطاعم و المقاهي و كفى الله المؤمنين شر القتال.


ومع سؤال من حولي و استفتاء شريحة من المجتمع، مختلفة الأعمار و الجنس، تبين أن الفجوة تعود إلى أسباب كثيرة لعل أبرزها ثلاثة أسباب رئيسة:

1. السبب الأول: الخوف من العين، هو سبب التقصير بواجبات الضيافة وحسن الاستقبال، فالعين هي الشماعة التي نعلق عليها كل مخاوفنا و كأننا تُركنا في هذه الدنيا بلا سلاح رباني يحمينا من شر كل ذي شر لا نطيق شره. فكل زائر ينظر إليه بعين الريبة و الشك حتى تثبت حسن نيته، و كأن كل ضيف سيسلب منا نعم الله السابغة!

2. السبب الثاني: الاحساس بالخجل من ضيق المنزل، أو قدم أثاثه و يكثر هذا السبب في حال المنازل المستأجرة. و لا يمكن اتخاذ ذلك سببًا وجيهًا، لأن الزائر سيدخل البيت للزيارة و ليس لتقيم جودة الاثاث وتناسقه. ولعل من إيجابيات الغربة أن علمتنا كيف نفتح بيوتنا لكل طارق يطرقه، فنرحب بكل ضيف دون الاهتمام بمساحة المنزل الضيقة، أو قطع الأثاث المركبة، أو حتى الاواني المنزلية المشكلة و التي غالبًا ما نستعيض بها بالاواني البلاستيكية في حال عدم توفر غيرها. و ببساطة تنتهي الزيارة و الكل سعيد بقضاء وقت ممتع دون تكلف زائف أو بهرجة. فقديما قيل: لاقيني ولا تغديني. فالضيف لا ينتظر منك مأدبة عظيمة، إنما يريد بشاشة وجه وحسن استقبال.

3. السبب الثالث: على النقيض تمامًا من السبب السابق، وهي ظاهرة المبالغة في جلب أنواع أطعمة الضيافة و أغلاها بما يفيض عن حاجة الضيوف، فقط ليكون لهم العلو و الرفعة فلا يجاريهم في فخامة الضيافة أحد. فيبدأ الآخرون ممن لم تسمح لهم ظروفهم بالقدرة على المجاراة بيتجنب الدعوة من أساسها حتى لا يقعوا في الإحراج وقت زيارة منازلهم، فما من أحد يحب أن يكون في مجال مفاضلة مع غيره.

لا أقول سوى رحم الله زمانًا كانت القلوب أوسع للضيف من الدار، و رحم الله زمانًا كان الكرم يعيش بيننا.
وأخيرًا، لا تنسوا أغلقوا أبوابكم بل قلوبكم بإحكام حتى لا يتسلل الكرم إليها خلسة ..



جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه