الثقافة المتحفية المفقودة

4

هكذا تبدو المتاحف في بريطانيا في نهاية الأسبوع. تكتظ بالزوار من مختلف الأعمار .. يقضون عطلتهم بالتجول في المتاحف المنتشرة في أرجاء المدن مصطحبين صغارهم ومستمتعين بالترفيه المجاني إن صح لي التعبير.

تشبه المتاحف في بريطانيا مثيلاتها في أرجاء العالم، وإن كنا نستثني بخجل مساحة كبيرة من دول العالم العربي. فمتاحفها تتنوع بتنوع الأنشطة والعلوم التي عرفتها الإنسانية من مختلف العصور. وفي جنباتها التي ضمت كثير من القطع التاريخية والفنية النادرة تصحبك في جولة تستطيع بها اختزال تاريخ قرون مضت في نزهة نصف يوم.

حديثي عن المتاحف أتى بعد أن أنهيت مكالمة هاتفية مع مشعل الصغير ذو الخمس سنوات. حكى لي عن يومه في رياض الأطفال وما تعلمه. الجديد في حديثه هذه المرة هو حماسه الشديد والذي شعرت به في كل كلمة قالها لي حين وصف لي دهشته وعجبه من الديناصورات. وكيف أن هناك مخلوقات بهذا الحجم كانت تعيش على كوكبنا. بدأ سيل الأسئلة الشديد ينهمر علي إن كنت قد شاهدت واحدًا ! أو رأيته في حديقة الحيوان مثلاً! وماذا يأكل، وكيف يتحرك ؟ وكيف ولماذا ....

فكرت كثيرًا، ماذا لو وُفرت متاحف علمية في بلادنا ذات إمكانيات جيدة تسمح للصغار قبل الكبار قضاء وقت علمي مسلي ومفيد. زيارة المتاحف العلمية والتاريخية هي جزء لا يتجزأ من المنهاج التعليمي، فمشاهدة كتب مصورة لا يمكن لها تثبيت المعلومة كمن يعيش التجربة ويشغل بها حواسه.

قررت بعدها أن أبدأ بكتابة تدوينة عن المتاحف، لكني قررت أن أستفسر قبل ذلك عن الوضع الحالي للمتاحف السعودية، وكان أفضل من أسأل زميلة لي تحاضر في علم الآثار والتاريخ تدرس معي في نفس الجامعة. تحدثت إليها مستفسرة وخصيت المتاحف العلمية بالذكر. قالت لي: عدد المتاحف في المملكة إجماليًا لا يتجاوز ال 86 متحفًا، يضم ذلك المتاحف الرسمية التابعة لجهات حكومية، أو متاحف خاصة يملكها أصحابها. أصابني العدد بخيبة أمل كبيرة، ثم أردفت وقالت: ليست الحكمة بالعدد إنما بمن يرتاد هذه المتاحف! -انتهى كلامها-

فثقافة زيارة المتاحف قد تكون وإلى حد كبير مفقودة وربما مجهولة لشريحة كبيرة من المجتمع السعودي. وقد لمست هذا لدى بعض من التقيت بهم هنا، حيث لم يقوموا بزيارة اي متحف طيلة وجودهم في بريطانيا. والسبب هو عدم فهمهم بقيمة هذه الزيارة والتصور الخاطئ عن المتاحف أنها مملة.
وحين حاولت ترتيب أوليات حل هذه المشكلة، بدا لي هذا الترتيب هو الأكثر منطقيًا:

1. نشر أهمية الحفاظ على التراث:

وذلك بإيجاد متاحف في كل مدينة وقرية، وبدلاً من ضرب سياجٍ حاجز على المناطق التاريخية خوفًا عليها من يد العابثين ممن يحلو لهم كتابة خواطرهم عليها!، أو حتى هدمها و الاستعاظة عنها بأبنية حديثة كما حدث في مكة المكرمة بعد هدم قلعة الأتراك العثمانية المجاورة للحرم المكي الشريف.
على الجهات المسؤولة الحفاظ على هذا التراث و الأهم تثقيف سكان تلك المناطق التاريخية بالأهمية التاريخية لتلك الأحافير والقلاع.

مثال ذلك/ مهرجان الجنادرية، والذي أمني نفسي بزيارته في كل عام لكن تشاء الظروف على إقصائي عن تحقيق هذا الأمنية حتى عام آخر. في هذه المرة، اطلعت على آراء الكثير من فئة الشباب العمرية الذين يرون أن زيارة الجنادرية لا تمثل لهم اي أهمية مطلقة. بل تعدا ذلك أن البعض لا يفهم أهمية مهرجان الجنادرية كمهرجان وطني ثقافي سنوي. أرى أن هذا يعد خطرًا ثقافيًا يهدد المجتمع. فعجز المجتمع عن تفهم أهمية الحفاظ على هويته التاريخية و نقلها إلى أجيال تلو أجيال هي بمثابة نذير شؤم يهدد ضياع الهوية التاريخية.



متحف العلوم والفنون الإسلامية في مدينة أكسفورد . بريطانيا



2. زرع ثقافة زيارة المتاحف عند الناشئة:

عودنا والدانا أنا وأخوتي أن تكون المتاحف والأسواق الشعبية جزء لا يتجزأ من زيارة أي مدينة نزورها للسياحة. كنا أحيانًا نمتعض من الملل الذي يصاحب زيارة بعض المتاحف التي نجهل هويتها، لكنها كانت لنا غراس بأهمية المتحف والفائدة التي نجنيها منها. لم تكن الزيارة تقتصر على المشاهدة إنما نسأل عن هذا و نجرب ذاك، و يترك لنا مساحة تفكير ثم يصحح لنا لضمان أن تصل المعلومة صحيحة. وكم كان لهذه الزيارات أثرا في إثراء ثقافتنا، فأصحبنا بأنفسنا بنحث عن أهم المتاحف التي تستحق الزيارة (فجزاهما الله عنا خير الجزاء)

3. تصميم المتحف:

بناء على خبرتي المتواضعة بالمتاحف، يمكنني سرد بعض النقاط التي أرى أنها تساهم في جعل زيارة المتحف ممتعة إلى حد كبير:
  • التخطيط السليم للممرات: وذلك بتسهيل الحركة والانتقال من قسم إلى قسم دون الحاجة إلى الاصطدام بالزوار. إضافة إلى تنظيم أعداد الزوار في كل قسم وذلك لمنع الاكتظاظ في بعض الأقسام التي تعرض أعمالاً مهمة

  • توفير مناطق للاستراحة: لدي تجارب سيئة في بعض المتاحف التي تمنع وضع اي كرسي للاستراحة بين الأقسام، لذا فيعد توفير مناطق للاستراحات القصيرة بين أروقة المتحف بمثابة عامل يساهم براحة مرتاديه

  • تنوع وسائل العرض حسب المضمون: وقد يصح القول بفصل أقسام الأطفال عن غيرها لما يتطلب قسم الأطفال توفير مساحات أكبر، ووسائل حماية أكثر لهم. هذا بالإضافة إلى أصوات لعب الأطفال التي قد تسبب بعض الإزعاج لغيرهم

  • العناية بالمطبوعات المقدمة في المعرض: كالخرائط الإرشادية، والتي أصبحت توفر على شكل إلكتروني يمكن تحميله على أجهزة الهاتف المحمول. و كذلك مطبوعات تقدم للأطفال تساعدهم على التفاعل مع ما يرونه من معروضات، مثل أن يلون بعض الرسومات حسب ما شاهد، أو أن يجيب على بعض الأسئلة البسيطة أثناء تجواله مع من يصطحبه

  • توفير مناطق لتناول وجبات خفيفة: في كثير من المتاحف التي قمت بزيارتها، لا يوجد أي أكشاك تقدم طعامًا ساخنًا أو باردًا، لكن في المقابل توفر مناطق للأكل يمكن للزوار تناول ما يقومون بإحضاره معهم أثناء زيارتهم للمتحف. قلما وجدت البعض يقدم بعض المشروبات الساخنة أو الباردة لكن ذلك يكاد نادرًا. و لعل الهدف هو الحفاظ على سلامة المتحف ونظافته. قد يحضرني هنا ذكرى لمتحف العلوم والتكنولوجيا في مدينة جدة والذي قد تجوز عليه الرحمة بعد إحالته تحت رحمة مشروع صيانة إلى أجل غير مسمى. كان المتحف يعد مزارًا في مدينة جدة، كان أسلوب عرضه ومعروضاته جيدة جدًا إذا تغاضينا عن نقطة الاهتمام بتحديث وتجديد المعروضات حتى لا يمله الزائر له مرة أخرى. لكن أشد ما كان يعاب هو أن المتحف "يبيع" وجبات غير صحية بتاتًا، مشروبات غازية و أصابع البطاطا المقلية والتي تكاد رائحة الزيت المستهلك تخنق المكان.

  • رسوم الدخول: يمكن القول أن 80% من المتاحف العالمية لا تفرض رسوم دخول على مرتاديها. وهذا ما يجعل من زيارة المتحف ثقافة سائدة ومنتعشة. ففي مجتمع كالمجتمع البريطاني مثلاً، يفضلون التخطيط لعطلهم بأقل مقدار ممكن من التكاليف. أكثر من نبهني إلى هذه النقطة هو حديث عابر بيني وبين أحد زملائي في المكتب. اعتدنا بين حين وآخر أن نسأل عن كيف قضى الآخر نهاية أسبوعه. قال لي :اصطحبت أبنائي إلى متحف خارج المدينة، كم أحب اصطحابهم إلى متاحف مختلفة، الدخول فيها مجاني، يلعبون بألعاب مفيدة ويقضون وقتًا ممتعًا، و نتناول أيضًا طعامنا الذي اعددناه في المنزل، وبهذا فإن عطلتي تمر بسلام دون أي تكاليف إضافية. قد تكون وجهة نظر سليمة من حيث تفكيره بشكل مادي، لكني أيضًا وجدت فيه حل لأزمة نهاية الأسبوع والتي تتكدس فيها العوائل بالمجمعات التجارية أو في ملاعب الأطفال المختلفة حيث لا أجد أي فائدة قد يخرج بها الطفل من تلك الأماكن.


وسائل ترفيه وتعليم مساعدة توفر في المتحف بشكل مجاني - أكسفورد. بريطانيا


4. ماذا بعد المتحف:

والسؤال هنا، وماذا بعد أن بنينا المتاحف وأصلحناها، ونشرنا في المجتمع ثقافة إرتياده .. ماذا بعد المتحف؟!
يعد المتحف بيئة خصبة للبحث العلمي ودراسة السلوك الإنساني في التفاعل مع معروضاته، وحتى لا ألقي بدلوي في بئر ليست بئري، فأني أختصر حديثي هنا في إطار مجالي العلمي. كثير من الأبحاث تدرس دور استخدام تقنية الأجهزة المحمولة في إثراء زيارة المتاحف ودعم تعليم طلبة المدراس فيها. حيث يسمح للطلبة بإنزال بعض التطبيقات على الأجهزة الذكية المحمولة و التي تقوم بالسماح لهم بإدارة نقاشات علمية حول بعض المعروضات بشكل مسلي يشبه التواصل في الشبكات الاجتماعية، ومن ثم دراسة أثر ذلك على تحسين التحصيل العلمي لدى الطلبة.


فالمتحف وإن كان يومًا مخزنًا يحفظ به التاريخ، فاليوم يقف جنبًا إلى جنب مرافق التعليم المهمة ، ويساهم في تغذية روافدها الأساسية. إضافة إلى دوره كمتنفس جديد للمجتمع لقضاء أوقات الفراغ و العُطل بما يفيد.

والله من وراء القصد .. ودمتم ،،،

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه