ساعة في مكتبة بيستون العامة

2

قبل أن أبدأ ،،،
صورة مع التحية لمكتبة جدة "العامة" ......................................... !


******

بيستون أو (Beeston)، ضاحية على أطراف مدينة نوتنجهام وتحوي مكتبة عامة لسكانها الذي يبلغ تعدادهم حوالي ال 21 ألف نسمة !!
تدوينتي هذه ماهي إلا رد بسيط على من يعرقل وجود مكتبات عامة في الأحياء والضواحي السكنية، إضافة إلى مكتبة جدة العامة والتي لها من العمر عتيًا ومازالت تحت الإنشاء ! وبتكلفة تنوء بها الجبال !!


اصطحبتني صديقتي أمل برفقة صغيريها هاشم وعمار إلى مكتبة بيستون هذا الأسبوع، وقد اعتادت على فعل ذلك بشكل دوري.
كانت المكتبة تخلو من أي مظاهر ترف أو الفخامة بالبناء، لكنها كانت ثرية بمحتواها وما تقدمه من خدمات للمجتمع ..


في مدخل المكتبة الخارجي البسيط كان هناك لوحة إعلانات عن الفعاليات المقامة في الضاحية بالإضافة إلى اعلانات عن خدمات عامة ووظائف وذلك بشكل مرتب و واضح لمرتادي المكتبة.



على الرغم من بساطة المبنى وصغر حجمه نوعًا ما، إلا أن عدد الخدمات المقدمة تفي بالغرض من وجود مكتبة عامة، بل وتزيد !
تتكون المكتبة من طابقين، الطابق الأول ويتكون من ساحة كبيرة لكتب الكبار، بالإضافة إلى الكتب الصوتية.
أيضا ضمت زاوية لخدمة الانترنت، قاعات للاجتماعات الصغيرة، منطقة هادئة للدراسة ومقهى ..

أما في المدخل الرئيسي للمكتبة، وضعت طاولة عليها قصاصات وألوان للأطفال ليصنعوا فواصل لكتبهم التي يقرأونها بأسلوبهم الخاص مع وجود مرشدة لهم لأمور السلامة عند استخدام المقصات أو أدوات اللصق والتلوين ..

جانب من ساحة الكتب الموجودة في الطابق الأول، تنوعت مواضيعها ولغاتها أيضًا ..



جانب من مكتبة الأفلام والكتب السمعية



زاوية للدراسات المحلية والتي تهتم بالمنشورات والأبحاث المتعلقة بمنطقة نوتنجهام شاير

ومع هاشم صعدنا إلى الطابق الثاني حيث خصص هذا الدور كله لأنشطة الأطفال ووالديهم

في مساحات الأطفال، اختلطت الكتب بالألعاب مع وجود مساحات واسعة تسمح لهم بالركض واللعب بحرية مع توفر كافة وسائل السلامة لهم. إضافة إلى وجود زاوية تحوي أجهزة كمبيوتر لتصفح الانترنت تحت ضوابط تناسب أعمارهم الصغيرة.
و كان من الرائع أيضا وجود مكتب للاستعلام يستخدمه الاطفال للاستعلام عن كتب يبحثون عنها أو مشاكل قد يواجهونها في البحث عن معلومة.

وفرت المكتبة أيضًا مقاعد مريحة للصغار لتساعدهم على القراءة والانغماس في عالمها الممتع، وقد قرأت في مقالة سابقة عن كيف تقرأ كتاب لا تحبه، أن اختيار المقعد المريح للقراءة له أثره الكبير في استمرارية قراءة الكتاب أو الكف عن ذلك.

حين اشرت سابقًا أن المكتبة كانت ثرية بمحتواها، فأنا لم أقصد فقط الجانب المعرفي وكمية الكتب، إنما أدهشني أيضًا وجود كتب للأطفال ثنائية اللغة وذلك لتلبية احتياجات الأطفال ممكن يتحدثون اللغة الإنجليزية بجانب لغتهم الأم

قسم الأطفال أيضًا كان مقسم ومصنف بطريقة منظمة وبسيطة، رفوف حوت الكتب لمبتدئي القراءة ورفوف أخرى للكبار سنًا ..

هذا بالإضافة إلى رفوف أخرى خصصت للوالدين ضمت كتبًا في التربية والاهتمام بالأطفال صحيًا ونفسيًا



ما أعجبني في كتب الوالدين التربوية والتي يستطيع قصها على صغاره، هي أنها تناولت جوانب عديدة ومختلفة من شرائح المجتمع، على خلاف الكتب العربية التي تفترض وجوبًا أن الطفل يعيش في كنف عائلة مكونة من أب وأم وأخوة ! ماذا لو أحد الأركان فُقِدَ لوفاة أو طلاق أو ظروف أخرى !

فهذه الكتب المتنوعة شملت فئة الأطفال المتبنين و ركزت على الاختلافات التي قد يلحظها الطفل على طبيعته الفيزولوجية وطبيعة أسرته، مثل لو البشرة، العيون، طبيعة الشعر وغيرها ... فهذه الكتب عالجت القضية بأسلوب ممتع كما يظهر في الصورة أعلاه:
الطفل لوالدته بالتبني: لا أملك لون بشرتك، لكنك علمتني أن ما بداخلنا هو المهم.
كذلك شملت فئة الأطفال ممن يعيشون ضمن أسرة بنيت على زواج متماثلي الجنس والعياذ بالله، أو الأطفال ممن يعيشون مع أحد والديهم فقط.


وجود صديقي الصغير هاشم أضفى على رحلتنا للمكتبة جوًا رائعًا، استمتعت خلاله بالاستماع له وهو يقرا علي قصة الذئب مع النعجات الثلاث

وقبل مغادرة المكتبة والتي تسمح بنظام الإعارة الجزئي، فقد جهزت المكتبة بأجهزة الاستعارة الإلكترونية والتي تقوم بكل سهولة قراءة بطاقة الاستعارة الخاصة بك و من ثم تسجيل اسم الكتاب ومدة الاستعارة بطريقة القراءة الالكترونية للباركود الموجود على كل كتاب.

وحتى الصغار كانت لهم بطاقات الاستعارة الخاصة بهم، و المتوفرة بعدة أشكال يختار من بينها الطفل الشكل الذي يرغب به ويفضله.

جانب من المقهى والذي يقدم مشروبات ساخنة وباردة لمرتادي المكتبة.

وأخيرًا من العروض التي تقدمها المكتبة هي امكانية الانضمام إلى نادي القراءة ومشاركة مناقشة كتبتك المفضلة مع الآخرين من أعضاء النادي، إضافة إلى استقبالهم لتبرعات الأفراد بالكتب التي يريدون التبرع بها أو مشاركتها مع الآخرين ..

وجود المكتبة العامة بخدماتها المختلفة والمقدمة لمجتمع صغير كمجتمع بيستون تعدى أثره فوائد القراءة فحسب، بل غدا مركزًا اجتماعيًا يقصده الكبير والصغير للترفيه، للقراءة، للدراسة أو حتى للالتقاء بالأصدقاء وقضاء وقت هادئ معهم.

مبنى مثل مكتبة بيستون ببناءه البسيط التقليدي و أثاثه المتواضع أثرى مجتمعه بسبل ووسائل أكثر مما قد تقدمه لنا المكتبات العامة في بلادنا حيث تطغى زخرفة البناء و و الأثاث الفاخر على هويتها و دورها الأساسي في المجتمع، هذا إذا ما كتب لنا عمر بأن نرتادها يومًا من الأيام بعد أن تزال لوحة تحت الإنشاء !

ودمتــــــــــــم ،،

*******

نظــرهـ : على إحدى جدران المكتبة علقت لوحة كبيرة كتب عليها هذه العبارة :
" لقد تصورت دومًا بأن الجنة ستكون نوعًا من المكتبات"


ثلاثة أكواب من الشاي ،،

2

.. مقدمة ..

"كل طفل له الحق الكامل في التعليم"
المادة السادسة والعشرون من قانون حقوق الإنسان الدولية ..
تقريرآخر لليونيسيف/ 10 ملايين طفل حول العالم محرومون من حقهم البسيط في التعليم

******************

انتهيت للتو من قراءة رواية (ثلاثة أكواب من الشاي*) للمؤلف الأمريكي جريج مورتينسون. تدور الرواية ذات القصة الحقيقية الإنسانية حول المؤلف نفسه والتي كانت أحداثها بين العام 1993 - 1996 للميلاد.



تبدأ الرواية حين ضل جريج طريقه بين جبال باكستان الشاهقة وبالتحديد جبل K2 والذي يعد ثاني أطول قمة شاهقة في العالم بعد جبال الهمالايا وأكثرها انحدارا. كان ضمن فريق من متسلقي الجبال بغية أن يضع قلادة أخته والتي فارقت الحياة كتقديرًا لها و كذكرى لوفاتها. لكن شاء القدر بأن يضل عن صحبه ليتغير مسار وهدف رحلته كليًا .. وذلك منذ أن وصل إلى حدود قرية كورفي الباكستانية.


صورة لجبل K2

في تلك القرية شرب أكواب الشاي الباكستاني الثلاثة، والتي تعني بالثقافة الباكستانية أنه لم يعد غريبًا بينهم ..
وكعرفانًا منه على انقاذهم له من الموت متجمدًا بين الجبال وما قدموا له من حسن ضيافة .. قرر أن يبني لهم مدرسة فتيات في القرية بعد أن رأى حال مدرسة القرية النائية. كانت تلك المنطقة والتي أطلقوا عليها سكان المدينة اسم مدرسة عبارة عن أرض عراء باردة، جلس على أرضها المتجمدة ثمانية وسبعون طالبًا و أربع طالبات، أمسك كل منهم بلوحه الخشبي منكبًا على دراسته في هدوء منتظرين مدرسهم والذي لم يكن بأحسن حال منهم، فهذا المدرس والذي لا يتقاضى سوى دولار واحد في اليوم مقابل تعليمه لصبية القرى المجاورة الذين يتشاركون سويًا في دفع مرتبه.


يكمل جريج حكايته بكيفية توفيره للمال وما تعرض له من مضايقات وصعوبات حالت بينه وبين تحقيق وعده ببناء المدرسة مرات تلو مرات حتى تحقق الحلم بافتتاح أول مدرسة للفتيات في تلك القرية عام 1996 ..

لن أسهب في سرد تفاصيل الرواية الأكثر من رائعة .. والتي تصف في كل صفحة منها مشاعر وتجارب إنسانية عميقة لأشخاص وهبوا جزء بسيط من أيام عمرهم لإنقاذ طفولة من الجهل الذي قد يكون سبب كافي لنا بتخيل صورة مستقبل مجهول مظلم لهم..
حقيقة .. قد لا استطيع إلا أن أقول إنها رواية ملهمة من الغلاف إلى الغلاف.

الرواية حازت على أفضل مبيعات نيويورك تايمز عام 2009. وقد ترجمت إلى عدة لغات (أتمنى أن إحدى دور الترجمة العربية قد تبنت ترجمتها) بالإضافة إلى صدور إصدارات خاصة منها لمختلف الأعمار مع توصية بتعليمها في المدارس الأمريكية.

جريج حاليًا يرأس مجموعة من مشاريع التعليم في باكستان وأفغانستان و من خلال موقعه الرسمي يمكن الدخول للاطلاع على آخر المشاريع والمساهمة فيها ماديًا ومعنويًا.

وبما أن في الحياة أناس أبوا إلا وأن يكون لهم في كل نهضة تثبيط، فقد واجه جريج حملات كثيرة سواء من داخل باكستان أو الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الأولى وصم بصفة الكافر والذي يريد نشر الفساد بين القرى، في حين وصم بالمفبرك في أمريكا إضافة إلى ملاحقة ال CIA له وتتبع رحلاته. لكن صم الأذن عن أصوات النشاز هو ما يجعل دولاب الحياة يتحرك ويعمل دون توقف.




فيلم وثائقي قصير يعرض صورًا حقيقية لقصة بناء المدرسة

**************


رواية ثلاثة أكواب من الشاي أخذتني إلى مكان قريب قلبًا لا جسدًا. إن إلهام هذه الرواية بالحث على تقديم و إحداث التغيير الإيجابي فيما حولنا سواء بالجهد، بالعلم، بالموهبة، أو حتى بالمال ما هو إلا شعار مجموعة شابة في مدينة جدة وتدعى (Young Initiative Group).


تواصلت مع هذه المجموعة قبل فترة وكان تواصًلا راقيًا يدل على رقي فكر و حضارة القائمين على هذا المشروع رغم صغر سنهم.
لقد شدني في عملهم حسن التنظيم الدقيق بالإضافة إلى نوعية الأعمال التطوعية والذي قد يعد جديدًا على مجتمعنا. فقد تغير مفهوم العمل التطوعي من تلوين وجوه الأيتام في مراكز التسوق التجارية إلى تنظيف بيوت الفقراء، تعليم الأيتام، والاهتمام بنظافة المدينة وغيرها.
وقد تكون فرصة سانحة في هذا الصيف للانضمام معهم بالجهد والعمل والاستمتاع بمردود هذا على النفس والمجتمع.

وحتى هذه المجموعة الشابة تعرضت وتتعرض إلى الإساءة، فمن خلال حديث ودي مع أحد الأشخاص وبعد أن عرضت عليه مقاطع وصور أعمالهم الخيرية، أدار وجهه بامتعاض وقال: لكنهن سافرات، أو هذا العمل فيه اختلاط! أو لماذا يخاطبوننا بالإنجليزية!
وما إلى تلك الحجج التي نتقمصها بغية اسكات صوت الضمير المنادي بتحسين وضع البلد بدلا من القاء اللوم على هذا وذاك.



قيلم قصير لأحد مشاريع مجموعة YIG Jeddah

*************
ولا أغفل أيضًا عن مشروع (لنسعدهم). ذلك المشروع العظيم والذي قامت عليه مجموعة من الفتيات بهدف تنظيف المساجد و دور الصلاة المتواجدة في الأسواق وغيرها. حققوا خلال مشروعهم حتى تسجيل فيلم الفيديو القصير عنهم ما يقارب تنظيف ست مساجد في مدينة الدمام والخبر. وأرجو أن يكون المشروع قائم ومستمر والعدد في ازدياد.
ولم تكن هذه المجموعة أحسن حال من سابقيها، ففي تعليق على مقطع الفيديو اشار أحدهم إلى أنهن يخترن المساجد "النظيفة" ليقوموا بتنظيفها، وكان خير لهن لو قمن بتنظيف المساجد المتردية في نظافتها.




فيلم قصير عن مشروع لنسعدهم

**************

كتابتي للتدوينة هذه المرة في هذا الوقت بالذات هو رغبتي الشديدة في شحذ الهمم الشبابية والتي تهدر كل عام في إجازة الصيف والتي تبدأ معها معاناة الشباب من الفراغ والملل .. و تبدأ معها مظاهر السهر وقتل الوقت بأشياء لا تعود على النفس لا بالنفع بل يطال أذاها الغير.
انتهاز الصيف بأعمال تصلح بها المجتمع وترقى به هو الهدف من هذه الإجازة.
خطوات بسيطة قد تجعل من هذا الصيف بداية خير و تغيير للنفس والمجتمع ممن حولنا،،
نفكر مالتغيير المستطاع والذي نريد أن نحدثه ..
نكون مجموعة من الأصدقاء أو الزملاء .. أو قد ننضم إلى مجموعات تطوعية في المدينة
نبدأ بالعمل المنظم والجاد .. وقليل مستمر خير من كثير منقطع ..
وأخيرا نصم أذاننا عمن لا يملك سوى بث رسائل سلبية ..
نفع الله الجميع بعمره وصحته وشبابه ..

والله من وراء القصــد .. ودمـــــــــتم ...

********
نظــرة: "إن الذين لا يعملون يؤذي نفوسهم أن يعمل الآخرون" طـه حسين

* اسم الرواية هو ترجمة شخصية مني .. ارجو أن أكون قد أصبت باختياره

الثقافة المتحفية المفقودة

4

هكذا تبدو المتاحف في بريطانيا في نهاية الأسبوع. تكتظ بالزوار من مختلف الأعمار .. يقضون عطلتهم بالتجول في المتاحف المنتشرة في أرجاء المدن مصطحبين صغارهم ومستمتعين بالترفيه المجاني إن صح لي التعبير.

تشبه المتاحف في بريطانيا مثيلاتها في أرجاء العالم، وإن كنا نستثني بخجل مساحة كبيرة من دول العالم العربي. فمتاحفها تتنوع بتنوع الأنشطة والعلوم التي عرفتها الإنسانية من مختلف العصور. وفي جنباتها التي ضمت كثير من القطع التاريخية والفنية النادرة تصحبك في جولة تستطيع بها اختزال تاريخ قرون مضت في نزهة نصف يوم.

حديثي عن المتاحف أتى بعد أن أنهيت مكالمة هاتفية مع مشعل الصغير ذو الخمس سنوات. حكى لي عن يومه في رياض الأطفال وما تعلمه. الجديد في حديثه هذه المرة هو حماسه الشديد والذي شعرت به في كل كلمة قالها لي حين وصف لي دهشته وعجبه من الديناصورات. وكيف أن هناك مخلوقات بهذا الحجم كانت تعيش على كوكبنا. بدأ سيل الأسئلة الشديد ينهمر علي إن كنت قد شاهدت واحدًا ! أو رأيته في حديقة الحيوان مثلاً! وماذا يأكل، وكيف يتحرك ؟ وكيف ولماذا ....

فكرت كثيرًا، ماذا لو وُفرت متاحف علمية في بلادنا ذات إمكانيات جيدة تسمح للصغار قبل الكبار قضاء وقت علمي مسلي ومفيد. زيارة المتاحف العلمية والتاريخية هي جزء لا يتجزأ من المنهاج التعليمي، فمشاهدة كتب مصورة لا يمكن لها تثبيت المعلومة كمن يعيش التجربة ويشغل بها حواسه.

قررت بعدها أن أبدأ بكتابة تدوينة عن المتاحف، لكني قررت أن أستفسر قبل ذلك عن الوضع الحالي للمتاحف السعودية، وكان أفضل من أسأل زميلة لي تحاضر في علم الآثار والتاريخ تدرس معي في نفس الجامعة. تحدثت إليها مستفسرة وخصيت المتاحف العلمية بالذكر. قالت لي: عدد المتاحف في المملكة إجماليًا لا يتجاوز ال 86 متحفًا، يضم ذلك المتاحف الرسمية التابعة لجهات حكومية، أو متاحف خاصة يملكها أصحابها. أصابني العدد بخيبة أمل كبيرة، ثم أردفت وقالت: ليست الحكمة بالعدد إنما بمن يرتاد هذه المتاحف! -انتهى كلامها-

فثقافة زيارة المتاحف قد تكون وإلى حد كبير مفقودة وربما مجهولة لشريحة كبيرة من المجتمع السعودي. وقد لمست هذا لدى بعض من التقيت بهم هنا، حيث لم يقوموا بزيارة اي متحف طيلة وجودهم في بريطانيا. والسبب هو عدم فهمهم بقيمة هذه الزيارة والتصور الخاطئ عن المتاحف أنها مملة.
وحين حاولت ترتيب أوليات حل هذه المشكلة، بدا لي هذا الترتيب هو الأكثر منطقيًا:

1. نشر أهمية الحفاظ على التراث:

وذلك بإيجاد متاحف في كل مدينة وقرية، وبدلاً من ضرب سياجٍ حاجز على المناطق التاريخية خوفًا عليها من يد العابثين ممن يحلو لهم كتابة خواطرهم عليها!، أو حتى هدمها و الاستعاظة عنها بأبنية حديثة كما حدث في مكة المكرمة بعد هدم قلعة الأتراك العثمانية المجاورة للحرم المكي الشريف.
على الجهات المسؤولة الحفاظ على هذا التراث و الأهم تثقيف سكان تلك المناطق التاريخية بالأهمية التاريخية لتلك الأحافير والقلاع.

مثال ذلك/ مهرجان الجنادرية، والذي أمني نفسي بزيارته في كل عام لكن تشاء الظروف على إقصائي عن تحقيق هذا الأمنية حتى عام آخر. في هذه المرة، اطلعت على آراء الكثير من فئة الشباب العمرية الذين يرون أن زيارة الجنادرية لا تمثل لهم اي أهمية مطلقة. بل تعدا ذلك أن البعض لا يفهم أهمية مهرجان الجنادرية كمهرجان وطني ثقافي سنوي. أرى أن هذا يعد خطرًا ثقافيًا يهدد المجتمع. فعجز المجتمع عن تفهم أهمية الحفاظ على هويته التاريخية و نقلها إلى أجيال تلو أجيال هي بمثابة نذير شؤم يهدد ضياع الهوية التاريخية.



متحف العلوم والفنون الإسلامية في مدينة أكسفورد . بريطانيا



2. زرع ثقافة زيارة المتاحف عند الناشئة:

عودنا والدانا أنا وأخوتي أن تكون المتاحف والأسواق الشعبية جزء لا يتجزأ من زيارة أي مدينة نزورها للسياحة. كنا أحيانًا نمتعض من الملل الذي يصاحب زيارة بعض المتاحف التي نجهل هويتها، لكنها كانت لنا غراس بأهمية المتحف والفائدة التي نجنيها منها. لم تكن الزيارة تقتصر على المشاهدة إنما نسأل عن هذا و نجرب ذاك، و يترك لنا مساحة تفكير ثم يصحح لنا لضمان أن تصل المعلومة صحيحة. وكم كان لهذه الزيارات أثرا في إثراء ثقافتنا، فأصحبنا بأنفسنا بنحث عن أهم المتاحف التي تستحق الزيارة (فجزاهما الله عنا خير الجزاء)

3. تصميم المتحف:

بناء على خبرتي المتواضعة بالمتاحف، يمكنني سرد بعض النقاط التي أرى أنها تساهم في جعل زيارة المتحف ممتعة إلى حد كبير:
  • التخطيط السليم للممرات: وذلك بتسهيل الحركة والانتقال من قسم إلى قسم دون الحاجة إلى الاصطدام بالزوار. إضافة إلى تنظيم أعداد الزوار في كل قسم وذلك لمنع الاكتظاظ في بعض الأقسام التي تعرض أعمالاً مهمة

  • توفير مناطق للاستراحة: لدي تجارب سيئة في بعض المتاحف التي تمنع وضع اي كرسي للاستراحة بين الأقسام، لذا فيعد توفير مناطق للاستراحات القصيرة بين أروقة المتحف بمثابة عامل يساهم براحة مرتاديه

  • تنوع وسائل العرض حسب المضمون: وقد يصح القول بفصل أقسام الأطفال عن غيرها لما يتطلب قسم الأطفال توفير مساحات أكبر، ووسائل حماية أكثر لهم. هذا بالإضافة إلى أصوات لعب الأطفال التي قد تسبب بعض الإزعاج لغيرهم

  • العناية بالمطبوعات المقدمة في المعرض: كالخرائط الإرشادية، والتي أصبحت توفر على شكل إلكتروني يمكن تحميله على أجهزة الهاتف المحمول. و كذلك مطبوعات تقدم للأطفال تساعدهم على التفاعل مع ما يرونه من معروضات، مثل أن يلون بعض الرسومات حسب ما شاهد، أو أن يجيب على بعض الأسئلة البسيطة أثناء تجواله مع من يصطحبه

  • توفير مناطق لتناول وجبات خفيفة: في كثير من المتاحف التي قمت بزيارتها، لا يوجد أي أكشاك تقدم طعامًا ساخنًا أو باردًا، لكن في المقابل توفر مناطق للأكل يمكن للزوار تناول ما يقومون بإحضاره معهم أثناء زيارتهم للمتحف. قلما وجدت البعض يقدم بعض المشروبات الساخنة أو الباردة لكن ذلك يكاد نادرًا. و لعل الهدف هو الحفاظ على سلامة المتحف ونظافته. قد يحضرني هنا ذكرى لمتحف العلوم والتكنولوجيا في مدينة جدة والذي قد تجوز عليه الرحمة بعد إحالته تحت رحمة مشروع صيانة إلى أجل غير مسمى. كان المتحف يعد مزارًا في مدينة جدة، كان أسلوب عرضه ومعروضاته جيدة جدًا إذا تغاضينا عن نقطة الاهتمام بتحديث وتجديد المعروضات حتى لا يمله الزائر له مرة أخرى. لكن أشد ما كان يعاب هو أن المتحف "يبيع" وجبات غير صحية بتاتًا، مشروبات غازية و أصابع البطاطا المقلية والتي تكاد رائحة الزيت المستهلك تخنق المكان.

  • رسوم الدخول: يمكن القول أن 80% من المتاحف العالمية لا تفرض رسوم دخول على مرتاديها. وهذا ما يجعل من زيارة المتحف ثقافة سائدة ومنتعشة. ففي مجتمع كالمجتمع البريطاني مثلاً، يفضلون التخطيط لعطلهم بأقل مقدار ممكن من التكاليف. أكثر من نبهني إلى هذه النقطة هو حديث عابر بيني وبين أحد زملائي في المكتب. اعتدنا بين حين وآخر أن نسأل عن كيف قضى الآخر نهاية أسبوعه. قال لي :اصطحبت أبنائي إلى متحف خارج المدينة، كم أحب اصطحابهم إلى متاحف مختلفة، الدخول فيها مجاني، يلعبون بألعاب مفيدة ويقضون وقتًا ممتعًا، و نتناول أيضًا طعامنا الذي اعددناه في المنزل، وبهذا فإن عطلتي تمر بسلام دون أي تكاليف إضافية. قد تكون وجهة نظر سليمة من حيث تفكيره بشكل مادي، لكني أيضًا وجدت فيه حل لأزمة نهاية الأسبوع والتي تتكدس فيها العوائل بالمجمعات التجارية أو في ملاعب الأطفال المختلفة حيث لا أجد أي فائدة قد يخرج بها الطفل من تلك الأماكن.


وسائل ترفيه وتعليم مساعدة توفر في المتحف بشكل مجاني - أكسفورد. بريطانيا


4. ماذا بعد المتحف:

والسؤال هنا، وماذا بعد أن بنينا المتاحف وأصلحناها، ونشرنا في المجتمع ثقافة إرتياده .. ماذا بعد المتحف؟!
يعد المتحف بيئة خصبة للبحث العلمي ودراسة السلوك الإنساني في التفاعل مع معروضاته، وحتى لا ألقي بدلوي في بئر ليست بئري، فأني أختصر حديثي هنا في إطار مجالي العلمي. كثير من الأبحاث تدرس دور استخدام تقنية الأجهزة المحمولة في إثراء زيارة المتاحف ودعم تعليم طلبة المدراس فيها. حيث يسمح للطلبة بإنزال بعض التطبيقات على الأجهزة الذكية المحمولة و التي تقوم بالسماح لهم بإدارة نقاشات علمية حول بعض المعروضات بشكل مسلي يشبه التواصل في الشبكات الاجتماعية، ومن ثم دراسة أثر ذلك على تحسين التحصيل العلمي لدى الطلبة.


فالمتحف وإن كان يومًا مخزنًا يحفظ به التاريخ، فاليوم يقف جنبًا إلى جنب مرافق التعليم المهمة ، ويساهم في تغذية روافدها الأساسية. إضافة إلى دوره كمتنفس جديد للمجتمع لقضاء أوقات الفراغ و العُطل بما يفيد.

والله من وراء القصد .. ودمتم ،،،

معرض لندن الدولي للكتاب 2011

3

معرض لندن الدولي للكتاب أو ما يعرف باسم London Book Fair هو أحد أهم المعارض الدولية العريقة والتظاهرات الثقافية السنوية في العالم، والذي يقام عادة في فصل الربيع في العاصمة البريطانية.

بالرغم من مدة المعرض القصيرة والتي لا تتجاوز الثلاثة أيام إلا أني تمكنت من زيارته في سنته الأربعين لأشهد أروع معرض كتاب زرته في حياتي، و التي تضمنت زيارات لمعارض كتب تنوعت بين داخل المملكة وخارجها.

في مقالي هذا سأحاول أن ابتعد عن مقارنة معرض لندن للكتاب بالمعارض التي تقام في المملكة لعدة أسباب. أولها، هو ما يصل إلى مسامعي من أخبار لا تسر عن وقائع تشوه هذه التظاهرات الثقافية كل عام، والآخر هو انقطاعي عن معارض الكتاب في المملكة منذ العام 2006 بسبب الابتعاث.

أعود بكم إلى معرض لندن الدولي للكتاب محاولة تسليط الضوء على اوجه الاختلاف التي عايشتها في زيارتي هذه المرة.

بداية، كان شرط حضور المعرض الوحيد تسجيل البيانات الشخصية في موقع المعرض، الجميع كان يطلب منهم إبراز تذكرة الدخول المطبوعة مسبقًا (او التي يمكن طباعتها في إحدى أجهزة الكمبيوتر المتوفرة عند مدخل المعرض) بالإضافة إلى الهوية الشخصية لمطابقة البيانات عند الحاجة. رأيت في هذه الخطوة نوع من التنظيم الأمني والمعلوماتي. فوجود كمية كهذه من البيانات كفيلة بأن توفر بيئة إحصائية خصبة تساهم في تحسين وتطوير المعرض عامًا بعد عام.


بالإضافة إلى روعة الكتب كانت طريقة العرض مبتكرة وفريدة، لم تكن الأقسام تتشابه أبدًا. فكل دار نشر ابتكرت طريقة العرض التي تناسبها. فأصبح المعرض بمثابة مجمع مكتبات صغيرة متراصة بعضها بجانب بعض. أحببت هذه الطريقة في العرض حيث لا تشعر النفس بالملل وتسهل عملية تذكر الأماكن والأركان المختلفة.

في القسم المخصص لكتب الطهي تم إنشاء مطبخ صغير لتعليم وصفات الطهي السريعة و اتاحة الفرصة للجمهور للتذوق (يمين الصورة)


بين لوحات ضخمة مفهرسة بأسماء دور النشر وأماكن تواجدها، إلى إشارات توضح الإتجاهات، فقد امتلأ المعرض بالوسائل المختلفة التي سهلت عملية البحث والتنقل بين جنبات المعرض المختلفة. بالإضافة إلى وجود نشرات يومية خاصة بأخبار المعرض و جداول الفعاليات المقامة فيها.


عدد كبير من أمهات دور النشر العالمية المتخصصة كان لها حضورها الكبير والفعال. بالنسبة لي كان شعوري لا يوصف لحظة وقوفي أمام دار النشر Elsevier فهي من أكثر دور النشر العالمية التي لها مكانتها المرموقة في نشر الأبحاث العلمية القيمة.


وبما أن المعرض كان دوليًا، فدور النشر العالمية كان لها حضور: من أكثر الدول التي حظيت باستقطاب أكبر عدد من الزوار هو الجناح الصيني ( يظهر في يسار الصورة) والجناح الإيراني (يظهر في يمين الصورة)

وكذلك الجناح الفرنسي (يسار الصورة) والجناح التركي (يمين الصورة). بالإضافة إلى الجناح الروسي والذي اتخذ مساحة كبيرة من المعرض وكان ضيف شرف أول هذا العام.



بالنسبة لحضور دور النشر العربية، فقد تواجدت كل من المملكة العربية السعودية، دار النشر في الشارقة، سلطنة عمان، العراق، والأردن. لكن للأسف لم يكن لأي من تلك الدور أي نشاط ملحوظ سوى عرض بعض الإصدارات الشبه حديثة.

جناح المملكة العربية السعودية

جناح دولة العراق

جناح دار النشر في الشارقة - دولة الإمارات العربية المتحدة

جناح سلطنة عمان




وحيث أن المعرض كان بمثابة مظاهرة اختلطت فيها الثقافات والاعتقادات المختلفة ، فكان العرض فيها والطلب يتم بحرية دون أي مضايقات تذكر وبأسلوب راقي يدل على رقي مرتادي المعرض. ومثال على ذلك كان القرآن الكريم يتم توزيعه بشكل مجاني على مرتادي المعرض ممن يرغب في اقتناء نسخة بالإضافة إلى توفير أماكن للصلاة داخل المعرض تقديرًا واحترامًا للمسلمين من زوار المعرض

أما أدب الطفل فقد حظي نصيب كبير من الاهتمام بجودة الكتب المعروضة من ناحية المظهر والمضمون، إضافة إلى النقاشات التي كانت تدور لإتمام الصفقات لنشر إصدارات جديدة لهم.


بعض نوعية الكتب التي عرضت في معرض لندن الدولي للكتاب:


بعض المخطوطات القديمة

الموسوعات

فنون التصميم والعمارة


أما الكتب الرقمية وأجهزتها فقدت اتخذت مساحة كبيرة خاصة بها عرضت فيها أجهزة القراءة الإلكترونية بالإضافة إلى عروض لشراء كتب رقمية بأسعار رمزية كتشجيع على ظاهرة القراءة الإلكترونية.


ولم يقتصر المعرض على بيع الكتب فحسب، لكن حتى مستلزمات القراءة واكسسواراتها أخذت مكانها بين الأقسام، مثل مقاعد القراءة المريحة وفواصل الكتب ذات الأشكال المتنوعة.




ومن الإيجابيات التي لاحظتها في المعرض، التنظيم الدقيق والمحافظة على انسيابية حركة الزوار دون حدوث ازدحامات ومصادمات بين الزوار بسبب التكدس عند أحد الأقسام وغيرها، وأيضًا المحافظة على نظافة المكان وذلك بتخصيص أماكن خاصة تقدم بعض الوجبات الباردة والتي لا تملأ المكان بروائح الطعام أو فضلاته.
هذا عدا توفير المشروبات الساخنة والباردة على شكل عربات متنقلة تجوب أركان المعرض المختلفة.
الطريف أيضًا توفير منطقة استرخاء للقراء تسمح لهم بالحصول على دقائق مساج تريح بها عضلات جسمهم. إضافة إلى وجود مساحات للجلوس عند كل منطقة.


تجربة معرض الكتاب في لندن كانت تجربة مثيرة، أحسست فيها عظم التقدير للإنتاج الفكري المطروح والتقدير الأكبر لمرتادي هذا المعرض وذلك بتوفير سبل الراحة و التنظيم الذي يجعل القارئ النهم يعيش نعيم جنته التي يحلم بها دائما.

لكن ،، تبقى هذه التدوينة تحمل أمنية .. أضمرها في قلبي وارجو من الله أن اراها قريبًا في معارض الكتب في بلادنا.

والله من وراء القصد، ودمتم

*****

نظــرة: إذا سكت المثقف فقد بدأ رحلة الموت وهو على قيد الحياة، وحين يفقد "الوطن" أنفاس المثقفين فإنه يختنق ويذبل ويعيش حياة تشبه الموتى. (د. خالد الحليبي)

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه