بارك الله فيك يا عمر

1

ذهبت إلى إحدى الصيدليات في مدينة جدة مساء هذا اليوم، حين دخلت لفت نظري وجود شخص مصاب بمتلازمة داون بدت عليه ملامح الرجولة الكاملة. تعجبت من وجوده بمفرده داخل الصيدلية وخصوصًا أنه كان يعبث عند أحد الرفوف التي ارتصت عليها بعض المستحضرات الطبية.
لكني حين اتجهت للمحاسبة، توقف عندها المحاسب عن العمل واتجه إلى ذلك الشخص مناديًا إياه باسمه: عمر .. عمر لم لا تعمل بجد؟! هيا تبقى بعض الرفوف عليك الانتهاء منها قبل انتهاء دوام هذا اليوم ..
فرد عليه عمر بالإيجاب بطريقة لبقة ...
علمت بعدها أنه يعمل مساعدًا في هذه الصيدلية ويقوم بمهام تنظيم الرفوف والمحافظة على ترتيبها ..

ابهجني هذا الموقف كثيرًا، حين وجدت التقدم الكبير في مجال دمج مصابي هذا النوع من المتلازمة في مجتمعنا، و تقبل السماح لهم بالانخراط في بعض الأعمال المختلفة للانتفاع بهم وبطاقتهم. وتغير النظرة الدونية القاسية اتجاههم، فللأسف مازال يغلب على مجتمعنا قصر الفهم عن هذه الفئة، واعتبارهم عالة على المجتمع، لا يمكنهم فهم وأداء أي مهام توكل لهم.

وما زاد تعجبي وسروري هو ما قام به المحاسب بعد ذلك بالطلب من عمر بسؤال أحد العاملين الأجانب بإحضار بعض الصناديق من المخزن، فتوجه عمر إلى العامل طالبًا منه ذلك بحوار باللغة الإنجليزية كان سليم المبنى والمعنى.

كم كنت أتمنى أن لا أخرج سريعًا من الصيدلية، وأن أمكث ساعات وساعات أتأمل عمر وأداءه لعمله بإخلاص وإتقان وهدوء

كم كنت أتمنى أن أشكره على درسه العظيم بأن الحياة أعظم من أن نقضيها متحسرين، متقاعسين، و متأففين على ما نظن أننا قد حرمنا منه، ونرمي باللوم على الأقدار والحظوظ.

عمر ..
أدبك، ورقي خلقك، وهدوءك ...
مثابرتك، وعملك، وكفاحك ...
هو ما ينقص الكثير من الأصحاء ممن حولك

بارك الله لعمر في صحته وعمره ووقته. و جزى الله كل من ساهم بعمله وإدخال السرور إلى قلبه.

ودمـــــــــــــــــتم ،،،
******

نظـرهـ: المضحك أن ملايين ممن يتمنون الخلود لا يجدون ما يفعلونه في أوقات فراغهم !! . سوزان آرتز

مختـاراتـي

4

منذ أن بدأ حبي للقراءة في سن مبكرة، لم أكن أكتفي بالقراءة فحسب، بل كنت ومازلت أتبع الخطوة التالية ألا وهي عمل مختارات خاصة بي أكتب بها عن أفضل ما قرأت. ومن ثم أقوم بحفظها وأرشفتها لتكون لي ولغيري مرجعًا في يوم من الأيام. ومع تقدم العمر و تنوع الاهتمامات، أصبح لدي العديد من الدفاتر مختلفة الشكل والمحتوى.

البداية كانت أثناء دراستي الإبتدائية والمتوسطة، كانت مجلة ماجد بالنسبة لي هي الأرض الخصبة. كم أكن لهذه المجلة من معروف كبير وفضل في تنمية حب القراءة لدي وتصحيح اللغة وصنع اللبنة المتينة التي بنيت عليها ثقافتي فيما بعد. إضافة إلى كتاب سين وجيم لشريف العلمي، دائرة المعارف العربية وكتاب نهاية الأرب والذي سنحت لي الفرصة بالاطلاع عليه في سن مبكرة.


أثناء تلك المرحلة كان القلم والدفتر يصاحباني في كل جلسات المطالعة والقراءة. كنت أقرأ المعلومة ثم أبادر بكتابتها بشكل منسق وملون مع إضافة بعض الرسومات والصور لأخرج بثلاث دفاتر ذات الحجم الكبير لتكون لي دائرة معارف مصغرة. هذه الدائرة المصغرة كانت المرجع الدائم لكل من كان ينظم إذاعة الصباح في مدرستي ومنها وُلِدَ لدي ولع و حب التقديم في الإذاعات والحفلات المدرسية وتنسيقها.

في نهاية المرحلة المتوسطة والثانوية، تغيرت اهتماماتي بعض الشيء لتواكب الحدث، فأصبحت مواظبة على قراءة الصحف اليومية المختلفة ومن ثم القيام بجمع قصاصات لكثير من المواضيع المتنوعة. أثناء هذه الفترة بدأت بقراءة المقالات وبدأت باستعياب فن الكتابة المقالية بمختلف ألوانها. ولعل من حظي الكبير وعي والداي بقيمة ما أقوم به. فقد وجهاني لضرورة كتابة اسم الصحيفة ورقم العدد وتاريخ الإصدار على كل مقالة أقوم بقصها وذلك حتى تصبح مختاراتي على قدر من الفائدة المرجوة من جمعها وأن تصبح مرجعًا موثقًا لأي موضوع تحويه. هذا عدى عن قيامهما باقتراح الاحتفاظ ببعض المواضيع والمقالات التي قرأوها ولمسوا فيها جانبا ممتعًا.



ومع الثورة المعلوماتية، تطورت سمة مختاراتي أيضًا. ففي بداية الألفية ومع بداية استخدام الإنترنت والمراسلات الإلكترونية. كنت أقوم بطباعة بعض الرسائل الإلكترونية وجمعها في ملفات ملونة. وكثيرًا ما كنت أعاود قراءتها الاستمتاع بها. لكن هذه المرحلة لم تدم طويلا، فقد استعضت عن الطباعة بترتيب بريدي على شكل مجلدات مصنفة احفظ بها بعض ما يصلني إلكترونيًا.



أما قبل عدة سنوات، فقد بدأت الاهتمام بجمع نوع آخر من المعرفة، ألا وهي الأقوال المأثورة وروائع الكلم باللغتين العربية والإنجليزية. البداية كانت مع رسائل Islam today التي كانت تصلني على جهازي المحمول. ومن ثم بدأت استقيها من مصادر مختلفة تنوعت بين المقروءة منها والمسموعة، ومازلت حتى الآن أسطر وأحفظ تلك الأقوال والحكم.


حاليًا، مختاراتي أصبحت عبارة عن مدونة إلكترونية بيسطة. أسميتها (مما سمعت ورأيت وقرأت). لم أهتم كثيرًا بتصميمها، بل اخترته بسيطًا فالمهم هو حفظ المعلومة . أكتب فيها بأي لغة أفضلها عن أفكار ومواضيع أسمعها أو أقرأها أو حتى أشاهدها. ثم أضيف بعض الصور والمقاطع المرئية، مع تدوين تاريخ الموضوع ومصدره.



هناك العديد من الطرق لعمل المختارات تتنوع من شخص لآخر، وكم أحب الاطلاع عليها. فالمختارات ليست بالفكرة الحديثة، إنما كثير من الكتب التي أثرت المكتبات العالمية تحمل سمة المختارات لأشخاص جمعوا خلاصة أفضل ما قرأوا وسمعوا وشاهدوا، ليقدموها بقالب أدبي ككتاب (المستطرف في كل فن مستظرف) للعلامة الشيخ شهاب الدين الأبشيهي .

ختامًا، لا أعلم إن كنت سأنهج منهجًا آخرًا مغايرًا لما سبق. وحتى الغد، يفعل الله ما يشاء.

ودمـــــتم

*******************

نظرهـ: أول الشجرة النواة ... فاغرس اليوم شجره تنم في ظلها غداً


جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه