الطريـق الطويـــل إلى غـــزهـ

1
_______________________________
_______________________________


في يوم الخميس الماضي، أقام إتحاد الطلبة المسلمين في جامعة نوتنجهام محاضرة بعنوان الطريق الطويل إلى غزة. كان محور الحديث عن طالب بريطاني (باكستاني الأصل) يدعى بـ/ تركي الشريف، عاد لتوه من غزة مع قافلة مساعدات أنطلقت من نوتنجهام في الخامس من شهر ديسمبر الماضي 2009.

وقف تركي الشريف معرفا بنفسه فقال: أنا طالب في السنة الثانية في جامعة نوتنجهام ترنت وأبلغ من العمر 23 عاما. ثم صمت قليلاً وتبسم .. ثم اردف قائلاً: لم أتخيل يومًا أن أقف بموقف كهذا وأعرف بنفسي بهذه الطريقة، فمن يعرفني من قبل يعرف كم كانت حياتي مثالاً للهو واللعب والسكر والانغماس في المحرمات.

ثم بدأ بقص حكاية توبته والتي بدأت بوفاة ثلاثة من أقرباءه في أوقات متقاربة، جعلت منه يعود بالتفكر بحياته وماذا لو كان أحدهم ؟
وفي إحدى الليالي التي قضاها في النادي الليلي يقول وقفت متأملاً من حولي، وأحسست أني لا أنتمي لهذا المكان ولما أنا هنا ولما هؤلاء يتصرفون بهذه الطريقة، فخرج مسرعًا معلنًا بها بداية توبته وانقطاعه عن ارتياد هذه المحرمات وتعاطيها.

وفي تلك الأثناء سمع من بعض أصدقاءه عن قافلة ستخرج من نوتنجهام محملة بالمساعدات الإنسانية لأهالي غزة المحاصرين، فعقد العزم على السفر معهم والانضمام لهذه القافلة.استأذن أهله وبدأ بتجهيز أوراق سفره، وأثناء ذلك تعرض لسرقة بعض أغراضه والتي كان جواز سفره من بينها. أحس أنه اختبار من الله واختبار لثبات نيته، فتوجه إلى مركز الشرطة وابلغ بفقدان جوازه وبدأ بالانتظار في حين أن القافلة بدأت بالعد التنازلي للتحرك إلى الأراضي الفلسطينية. وقبل انطلاق القافلة بليلة، قال: صليت لله ودعوته بقولي رب أنك تعلم ماكنت عليه وتعلم أن خروجي ماهو إلا لتربية نفسي وتكفيرا لخطئي و طمعًا بمرضاتك فاختر لي من أمري أخيره.
قال: في صباح اليوم التالي وجد جواز سفره وقد أعيد بالبريد إلى منزله ! فسبحان الله

أنطلقت القافلة والمكونة من ثمان سيارات تحمل المعونات الغذائية والطبية إلى الفلسطينيين في غزة برًا في صباح الخامس من ديسمبر، واستغرقت الرحلة ستة أسابيع قطعوا بها عددا من الأراضي الأوروبية وصولاً إلى تركيا ثم سوريا فالأردن ومصر حتى فلسطين المحتلة.

(عرض مقاطع فيديو لمناظر من غزة أثناء المحاضرة)

(تركي الشريف)


أثناء المحاضرة كنت أسجل ملاحظات لأكثر المواقف التي مر بها الشريف تأثيرًا على نفسي، وجعلتني أقف عندها طويلا. فقد كانت رحلة طويلة ملئت بالصعاب والحواجز الشائكة ماديا ومعنويا.

في تركيا، حيث كان البلد الإسلامي الأول الذي يزوره تركي الشريف في حياته. وقف مندهشًا يصف عدد المساجد المهول، قائلا: "في كل منطقة تجد عدد من الجوامع والمساجد التي بهرتني"، فأثر ذلك بي كثيرًا ولمست الفرق بين من يربى في بلد مسلم ويألف صوت الأذان ومن لا يعرف إلا منزلا صغيرا يجتمع به القاصي والداني تقام به بعض الصلوات بدون أذان يصدح في كل وقت. وفي تركيا أيضًا، شعروا للمرة الأولى بفرح الناس بهم. فأثناء مرورهم بالأراضي الأوروبية، قليلا ما كانوا يحصلون على أي مساعدات أو حتى يجدون من يتفهم سبب قدومهم من بريطانيا إلى فلسطين، أما في تركيا فيقول: أحسسنا بأننا أبطال، الكل يفتح أبوابه لنا، ويهتفون بأسماءنا ويدعون لنا، هذا عدا تلك المرأة التي استوقفتهم لتعطيهم دمى صنعتها بيدها هدية لأطفال غزة ..

أما في سوريا وعند حدود مغادرتهم لأراضيها انتقالا للأردن، وجدوا أحد رجال حرس الحدود يبكي بشدة حين شاهدهم يترجلون من القافلة. سألوه عن سبب بكاءه الشديد فقال: حين رأيتكم صغارًا قادمين من بعيد تحملون هموم جيران لنا لم نستطع نحن تقديم بعض ما ستقدموه لهم، بالإضافة إلى أني شاهدتكم وقد أطلقتم لحائكم في حين أني قد حلقت لحيتي الطويلة خوفا من أن أفقد وظيفتي بالجيش وأذيق صغاري االفقر والعازة - انتهى. فعلق الشريف قائلا للحضور: أنظروا كيف هؤلاء في بلاد إسلامية وقد حرموا حقوق التعبير عن رأيهم و مزاولة حريتهم الدينية ويدانون عن حديثهم السياسي .. في حين أننا هنا (بكونهم جميعا مواطنون بريطانيون) نستطيع إطالة اللحى والتدخل في أمور سياسية والتعبير عن الرأي بصوت مسموع.

أما في العقبة .. وما أدراك ما حدث في العقبة ..
تم احتجاز جوازات سفرهم لأسابيع، وذلك من باب تضييق الخناق عليهم وثني هممهم وإرغامهم على قرار العودة دون دخول الأراضي الفلسطينية. ومن هنا بدأ الشريف وأصدقاءه باستخدام الانترنت بإرسال خطابات وجمع اصوات ونشر أخبار لهم ومايحدث من حصار أملا بالسماح لقافلتهم بلوغ مقصدها .. وفي ذلك الوقت توجه أحد أصحاب مقاهي الانترنت في إحدى القرى السياحية إليهم وسمح لهم باستخدام الانترنت في مقهاه مجانا وفي أي وقت لكن اشترط عليهم عدم تشغيل القرآن الكريم بصوت مرتفع لأنه سيُهدد بإغلاق محله وسحب رخصته التجارية .. فياسبحان الله

موقف آخر، أثناء مكوثهم في العقبة تعرفوا على شيخ طاعن في السن، كانوا يتسامرون معه كل ليلة على شاطئ البحر ليقطعون بذلك طول ليلهم و انتظارهم .. حتى كانت تلك الليلة، جاءهم ذلك الشيخ وطلب من الشريف مرافقته لمنزله. يقول: "ذهبت معه وأنا لا أتقن العربية جيدا فأعطاني ذلك الرجل حقيبتين كبيرتين محملتين بالوورد وطلب مني إعطائها للصامدين في غزة، فضحت قائلا ستذبل الزهور هذه قبل أن نغادر العقبة، لكن الشيخ الكبير أصر على أن أحمل الحقائب واضعها في سيارة الاسعاف التي اقودها بنفسي حتى يتأكد من أننا سنأخذها معنا ثم قال الشيخ الكبير: ليكن إيمانكم بالله عميقا"

وبالفعل في صباح اليوم التالي، تم السماح لهم بالانتقال إلى الأراضي المصرية ليستطيعوا الدخول إلى غزة عن طريق منفذ العريش. لكن ...
طلبوا منهم ترك القافلة في العقبة ليتم نقلها بالعبارة إلى العريش في حين أنهم سيسافرون جوا إلى القاهرة ومنها إلى العريش، لكن الشريف ورفقاءه رفضوا ترك القافلة خوفا على أن لا تصل أو أن يتم ترحيلهم إلى بريطانيا ..
فتم الاتفاق على أن يصاحب القافلة عشرة أشخاص من أعضاء هذه الحملة في حين يغادر البقية جوًا إلى القاهرة.
ومن هناك تم الانتقال من القاهرة إلى العريش برًا مع وضع كثير من العراقيل والتي أرادوا بها تهبيط هممهم لكن هيهات لهم

وفي العريش، رفضت الحكومة المصرية دخول 59% من المساعدات والمعونات الغذائية إلى الأراضي الفلسطينية، فأدى ذلك إلى وقوع اصطدام حاد بين أعضاء القافلة والحكومة المصرية تدخلت فيها أطراف عديدة شعبية وحكومية. وفي أثناء المحاضرة عرض الشريف مقاطع من نشرات أخبار عالمية غطت أحداث هذا الصدام ..
وبعد فض الشباك تم توصل إلى اتفاقية تسمح لهم بدخول الأراضي الفلسطينية فقط ل 48 ساعة ومغادرتها فورًا بعد تسليم القافلة بمعداتها إلى الحكومة الفلسطينية.


(نشرات الأخبار العالمية تنقل أحداث الاشتباك الذي وقع في مصر)

كانت هذه ال 48 ساعة كفيلة بأن تنقل لنا واقع الحياة في قطاع غزة عبر مقاطع فيديو مختلفة، أحدهم كان في طوارئ مشفى، وآخر عند معبر الحدود. والتقوا بشخصيات وزارية فلسطينية، كوزير التعليم الفلسطيني الذي أشار إلى حقيقة تبشر بالخير حين قال أن عدد حفظة القرآن الكريم في قطاع غزة بلغ عشرة آلاف حافظ وحافظة خلال فترة الحصار الأخير على غزة وأن العدد في ازدياد.

منظر آخر من شوارع غزة، حين قام الشريف ورفقاءه بالتجول فيها بسيارتهم، لاحظوا أن عدد الأطفال في غزة يفوق عدد الكبار بكثير، في كل شارع هناك أطفال صغار دون العاشرة يلهون ويلعبون. استوقفتهم الحقيقة حين علموا أن نسبة 60 % من سكان غزة هم أطفال دون العاشرة من العمر، فقدوا ذويهم جراء القصف الجائر والحصار الدائم على غزة. (أضغط هنا لمشاهدة برنامج على قناة 4 البريطانية عن أطفال غزة)


وفي نهاية زيارتهم لغزة، قابلوا بعض السكان الذين أخبروهم بإن استشعار العالم لمعاناتهم وأن هناك أشخاص يؤمنون بقضيتهم ويدعون لهم ويحاولون مساعدتهم هو أثمن بكثير وأجدى من المؤونات الغذائية والدوائية التي تصلهم، فهذه المشاعر هي التي تبقيهم أحياء مجاهدون مناضلون في سبيل قضيتهم.

والآن وبعد أن عاد تركي الشريف ورفقاءه إلى نوتنجهام في شهر فبراير من هذا العام هاهم يستعدون مجددا لإعداد قافلة أخرى ستغادر نوتنجهام في منتصف الشهر القادم لكن هذه المرة بحرًا عبر البحر المتوسط لكن لازالت هناك بعض العراقيل التي يحاولون الآن جمع أصوات تنادي بالسماح لهذه القافلة بالانطلاق.


نظــرهـ: أكثر الناس ينتظرون شيئًا ما ليتغيروا. وآخرون يتغيرون عندما تحدث لهم صدمة، أو تتغير أدوارهم في الحياة. لكن أعظم التغيير هو التغيير المقصود الواعي النابع من التأمل والإرادة والشعور بالمسؤولية.
(د. طارق السويدان)

التعليقات

  1. الله ينصر أهلنا في فلسطين ويثبت أقدامهم آمين.
    شكرا جزيلا اختي رغد على مشاركتنا بالتقرير اللي أسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتك..
    والله يتقبل من الاخ تركي والله يسهل أمرهم ويثيبهم آمين.

    ردحذف

شكرًا لتعليقك

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه