بعد آخر لحكايات عجيبة

3
_____


-----------
-----------------


هناك أشياء مسلمة في حياتنا لا يختلف عليها أثنان ..

من تلك المسلمات هي أهمية المظهر الخارجي في تحديد هوية الشخص وبالأخص في اللقاءات الأولى


بالنسبة لي أحاول عادة أن أتغلب على نفسي في تحديدها لملامح محدثي والذي ألتقيه لأول مرة

وأكبت جماح أفكاري الشقية التي تريد أن تجعل من نفسها حقائق واقعية !!
لكن مالم استطع إيقافه هو شعوري القوي تجاه من ألتقيهم بأحوال معينة

يرغمني على التصرف معهم بأساليب معينة قد أندم عليها لاحقا


البساطة والثراء ..


الإبتسامة والجفاء ..


الحشمة والتبرج ..


وحيث أن هذا كله قد يظهر للعيان حتى قبل البدء بالسلام !!


فإنه بالنسبة لي تمثل دورا مهما في تحديد الملامح الأولى ..
وكثيرا ما أكون مخطئة بذلك الإنطباع .. والإعتراف بالخطأ فضيلة
وبما أن الإنسان يبقى طيلة حياته تلميذا في مدرسة الحياة فإن فصول تلك الأخيرة تعطينا دروسا مختلفة مع كل شخصية أراها أو ألتقي بها ..


فليس كل ثري يوصم بالكبر .. وليس كل بسيط وصفه الطيبة


وليست كل جفاء قسوة قلب .. ولعل تلك الإبتسامة تكون صفراء


وليس كل محتشم إماما .. وذاك المتبرج فاسقا ..



فالإحتكاك الكثير مع شخصيات كثر بأحوال مختلفة و بيئات متنوعة

تعطي مرانا جيدا وفرصة لمزاولة الفراسة في وجوه الناس و طباعهم


ومع أن الحكم على الأشخاص من مرة واحدة أرى فيه إجحاف لقيمة ذلك الإنسان


الذي قد يخبيء تحت رداءه شخصية رائعة وقلبا طيبا وعقلا راجحا


**


ما جعلني أكتب هذه المقالة هو سماعي لقصة أحببت مشاركتكم لي بها ..
حكت لنا إحدى جاراتنا قصة عم لها .. كان رجلا كبيرا طاعنا في السن ..

أصيب بالسرطان حتى تفشى في جسده عافانا الله وإياكم وباتت محاولات العلاج توحي
بالفشل وأن أيام عمره قد تطوى قريبا ..
كان مظهره كمظهر أي رجل كبير لحية بيضاء وظهر محني وعلامات زمن خطت على وجهه فمحت ملامحه ..
في إحدى أيامه الأخيرة حين كان في حجرته في المستشفى دخل عليه زمرة من الأطباء ليجروا له الكشف الروتيني ..

بعدما أنتهوا من تشخيصه تحدث الأطباء
معا حول مدى عجزهم عن إيقاف زحف ذلك المرض الخبيث وكيف يمكنهم إخبار أبنائهم بذلك وهل سيقومون بإخراجه من المستشفى لعدم جدوى وجوده بينهم ..
وكان ذلك كله بحضرة ذلك الشيخ الكبير الذي ما أن أنتهوا من حديثهم حتى دخل أحد ابناءه إلى غرفته فبادره الشيخ بقوله يا بني لن أبقى هنا فالأعمار
بيد الله وعلاجي فشل في هذا المستشفى فأخرجني لألقى ربي بينكم ...


صعق الأطباء من حديث ذلك الشيخ فجميع ما دار بينهم كان حديثا طبيا وباللغة الإنجليزية وبمصطلحات معقدة فكيف له أن يفك شفرات


حديثهم ويفهم ما قد
فهم وهو لا يبدو عليه إلا رجلا أميا ..
بالفعل كان ذلك الرجل (رحمه الله) رجلا أميا لا يعرف الكتابة ولا القراءة لا باللغة العربية لغته الأم ولا اللغة الإنجليزيةلكنه كان يعمل في أرامكو شركة النفط الأولى في السعودية والتي كانت وإلى عهد قريب تحت إدراة شركات أمريكية


فكان ممن عمل في أرامكو حين كان صبيا صغيرا فتعلم منهم اللغة الإنجليزية وفهمها وأتقن التحدث بها حتى بات يتحدث بها بفصاحة وسهولة ..فصغر سنه ساعده على ذلك و واقع حياتهم تجبرهم على التحدث بالإنجليزية ومخاطبة بعضهم البعض بها
وهذا ما جعله يفهم جميع مادار بين الأطباء من حديث .. وهذا ماجعل الأطباء يفاجأون منه


-------------


نظرهـ : قبل أن نحكم على الأشخاص علينا أن ننظر إلى مدى صغر محيط عقولنا والذي لا يتسع للحكم على جميع من نلتقيهم


فكل شخص منا في هذا العالم يخفي خلفه حكاية عجيبة ..

التعليقات

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    سعدت بالمرور من هنا والقراءة
    جميل ما خطه قلمك

    ردحذف
  2. وعليــكم السلام والرحمة

    ويسعدني رؤية تعليقك بعد سباتك العميق الذي طال مدونتك ؟؟

    سأمنا الانتظار ؟؟ ألا يوجد ما يستحق أن يوقظ مدونتكم من جديد :)

    ردحذف
  3. صحيح كلامك والدليل على ذلك تلك الخبرات التي مازلنا ننهلها من والدينامع تقدمنا العلمي عليهم ولكنهم في مدرسة الحياة سبقونا بمراحل وصدق من قال أكبر منك بيوم اعرف منك بسنه ولعلها اكثر ..سعدت جدا بمروري

    ماما

    ردحذف

شكرًا لتعليقك

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه