عشر سنوات من التدوين

0


ظهر يوم صيفي طويل جلست خلف جهاز حاسب مكتبي متأملةً تلك الصفحة الفارغة متحيرةً كيف ستبدو الألوان والصور. عن ماذا أكتب وبماذا أبدأ؟! ..  لم يدر بخلدي قط أن تلك الصفحة ستغدو مدونة تنسج خيوطها حولي عشر سنوات.

" كيف استطعت الالتزام؟! " كان سؤال يتردد طيلة هذه السنين.
عندما تصبح الكتابة رئتك الثالثة فلن تسأل أحدًا هذا السؤال، فالتدوين لم يعد هواية بل هوية ومتنفس حين تحتبس بداخلي الكلمات. هي مساحتي الحرة التي وهبتني الجرأة لأن أزاول الكتابة بكل حرية، ومنحتني الثقة لأطرح آرائي باستقلالية، وأرى العالم بعين ناقدة. فلم تعد المدونة بطاقة تعريف لي فحسب يعرفني الناس بها، بل أصبحت نقطة إيجابية تضاف إلى تقييمي الوظيفي السنوي كل عام !


أرى المواضيع تتمثل أمامي حية، تصطف الجمل خلف بعضها كل يعرف مكانه. أصمت فأجدني أكتب في عقلي تدوينة كاملة فأهرع إلى أي وسيلة أحفظ بها الأفكار قبل هروبها. كل هذا جعلني لا أعرف التوقف حتى وأنا أصارع رغبة التفرغ كليًا للتدوين العلمي. فلا أحد يستطيع إبعاد الكتابة عنا كما أن لا أحد يستطيع منحنا إياها (ميغ والترز).


بتجربتي هذه أستطيع استخلاص عشر نصائح أهديها لكل من يرغب ببدء رحلة التدوين:

- حدد سمة واضحة للمدونة، تندرج تحتها قائمة اهتماماتك التي تود مشاركتها الآخرين. ففضاء التدوين واسع لا حصر له. فعلى سبيل المثال هناك مدونات تهتم بمراجعات الكتب أو الأفلام، وأخرى تدون حول الجمال وخطوط الموضة. هناك مدونات علمية وأخرى للترجمة. وأخيرًا هناك الكثير من المدونات تشاركني الاهتمام بالتجارب الشخصية ونشرها. بالمحصلة: تحديد السمة سيسهل إيجاد مواضيع للكتابة عنها ويحفز على الاستمرارية

- لا تقارن نفسك بغيرك، فلا تقلد أو تستنخ. كن أنت أنت و لا تبالي فالعالم ملئ بالمقلدين

- اقرأ كثيرًا، ارتحل كثيرًا، انظر للعالم بمنظار أوسع. أصنع صندوق عجائبك السحري

- صمم مدونتك باحترافية مستخدمًا وصفة الأذكياء التي تعتمد البساطة. فاختر ألوانًا مناسبة لهوية المدونة واعتمد خطوطًا مقروءة.

- لا تتردد النشر، أو تخجل من ماضيك فكل صغير يكبر وكل جاهل يتعلم. المهم هو أن نتحرك نحو الأفضل. مازالت تدويناتي القديمة موجودة، لم أقم بإخفاءها أو إزالتها. بأعود لها بين فينة وأخرى لأرى حجم التغير الذي حدث وأتعلم منه.

- عادة ما تقام مشاريع تعاونية بين المدونات لتنظيم تحدي التدوين لمدة شهر معين أو حول مواضيع معينة. الاشتراك بهذا النوع من التحديات يساهم في تعرفك على ذاتك أكثر حين تجد نفسك تكتب في مجال لم تختبر نفسك به من قبل

- اصنع طقوسا خاصة بك وأجواء تساعدك على التدوين. لكل كاتب طقوسه الخاصة تساعده على الإلهام والإبداع. اكتشف طقوسك الخاصة وشاركها الآخرين. من طقوسي الاختلاء بنفسي في المراحل الأولية لكتابة المقال، والقيام بكتابته مباشرة على صفحة المدونة، فاستخدام برمجيات الكتابة المساعدة أو الورقة والقلم لا تؤتي أكلها معي دائمًا. أحيانًا كوب من الشاي وصوت موسيقي جميل يصنع أجواءًا جيدة. (ملاحظة: كُتبت هذه التدوينة وأنا في القطار متجهة إلى فيننا في رحلة استغرقت الأربع ساعات، أحطت نفسي عن صخب من حولي بسماعة أذن وكوب شاي وشرعت بالكتابة)

- استمر حتى لو مررت بفترات ملل وفتور واجعل لنفسك مشعلا توقده متى ما ضعفت
النفس

- احتفل بكل إنجاز صغير تحققه. لم انتظر بلوغ عشر سنوات لاحتفل بالمدونة. فقد سبق هذا احتفال صغير بعد أن أتممت سبع سنوات من التدوين 

- ابدأ الآن ولا تنتظر اللحظة المناسبة. إن كانت رغبة التدوين تراودك فاترك المقال وابدأ بتجهيز مدونتك ولا تنسى مشاركتها معي. كذلك في نشر التدوينات، وقد تكون هذه ملاحظة لنفسي قبلكم فكم من التدوينات الآن ماهي إلا حبيسة المسودة بسبب تأخري عن نشرها في وقتها المناسب.

*** *** ***

وبهذه المناسبة أقمت احتفالاً صغيرًا في منزلي ضم شمل من الأهل والأصدقاء شاركوني فرحة الإنجاز الشخصي وغمروني بكرمهم ببطاقات تهنئة ومجموعة فريدة من الكتب.






بالمقابل اخترت أن تكون الهدية التذكارية التي حملها الحاضرون معهم إلى منازلهم مكونة من أكثر الأشياء حبًا إلى قلبي، الكتب و النباتات. فغادر كل منهم حاملاً كتابًا وشتلة. أما أنا فقد اتخذت موضعًا في حديقة المنزل لتستقر فيها نبتة زرعتها بهذه المناسبة.




** ** **
نظرة: "أكتب كل شيء كما لو كان أول شيء تكتبه في حياتك، فاليوم الذي تعتقد فيه بأنك تعرف كيف تفعل ذلك هو اليوم الذي تنتهي فيه حياتك ككاتب" وليام غولدمان

اكتشف السعودية: حائل والعقال المائل !

0


ما أن يبدأ الحديث عن السياحة الداخلية حتى تجد في طياته الكثير من الشكوى وانعدام الجدوى منها، حتى باتت مقتصرة على الأسر التي لم تستطع إلى السياحة الخارجية سبيلاً. ولتبديد تلك الصور النمطية عن السياحة الداخلية قررت وزوجي مؤخرًا تخصيص جزء من إجازاتنا السنوية للسياحة الداخلية واكتشاف المملكة من جديد وذلك بزيارة مدن ومناطق لم نرها من قبل. وقد وقع الدور على مدينة حائل عروس الشمال في الأسبوع الماضي.

في رحلة طيران لم تتجاوز الساعة وخمس دقائق من مطار جدة حتى مطار حائل الإقليمي حطت رحالنا فيها. وعلى خلاف عادتنا في السياحة الخارجية التي لا نحرص أثناءها على السكن في فنادق عالمية لتوفر بدائل محلية مقاربة بالجودة ومناسبة بالسعر، نحرص أثناء رحلاتنا الداخلية على تخير فنادق السلاسل العالمية في المدينة لضمان نظافة المكان وجودة الخدمات. وبالرغم من موقعه البعيد اخترنا فندق ملينيوم حائل والذي يقع في حرم جامعتها مسكنًا مناسبًا لنا. 



بدأت جولتنا بالتعرف على أرجاء المدينة وشوارعها المختلفة التي يلاحظ فيها كثرة الحدائق العامة، والميادين التي تحمل أسماء مستوحاه من الأشكال التراثية المزدانة بها كالدلال القديمة. 

حائل التاريخية:
بعد البحث عن أهم المعالم التراثية والمواقع التاريخية في المدينة اتجهنا إلى حي لبدة الذي يقع في وسط المدينة القديمة. 


صورة ملتقطة من حي لبدة

كان السير في شوارع ذلك الحي بمثابة العودة إلى الماضي. بآبار معطلة وبيوت خاوية يكشف كل التفاف للأزقة عن فن معماري فريد نعجز عن إخفاء دهشتنا من جماله. وبالرغم من تعرض تلك المنازل القديمة للإهمال الذي صير بعضها مردمًا للنفايات إلا أن تلك الأكوام لم تقدر على حجب جمالها الآخاذ.






وعلى الجانب الآخر من حائل التاريخية يقع قصر القشلة بمعماره النجدي وزخارفه الجصية الحائلية، وهو أحد القصور التاريخية التي بنيت في عهد الملك عبدالعزيز عام 1940 للميلاد.

صورة لقصر القشلة التاريخي

بجانب هذا القصر يقع مطعم تراثي تسنى لنا فيه تذوق الأطباق التراثية الحائلية كالتمن الذي يشبه إلى حد كبير الأرز العراقي، والهريس والذي يشبه طبق الجريش المعروف والكبيبة أو كبيبة حائل وهي طبق شبيه بطبق ورق العنب الشهير. صمم المطعم بطراز يحاكي المنازل الحائلية القديمة مما جعل من تناولنا الطعام فيه تجربة مميزة.

صورة لباب منقوش بنقوش حائلية من داخل المطعم التراثي

الاعتزاز باللهجة الحائلية يظهر جليًا في استخدام المفردات المحلية حتى في اللوحات الإرشادية فكلمة الصفط تعني محفظة النقود


السوق الشعبي:
تشتهر حائل بعدد من الأسواق الشعبية، أشهرها سوق برزان الشعبي ويقع بالقرب من قصر برزان التاريخي الذي كان يعد قصرًا للحكم لكل من عائلة آل علي ومن بعدهم آل رشيد. أول ما لفت انتباهنا في هذا السوق تواجد الكثير من النسوة البائعات داخل محالهن التجارية التي تحمل أسماءهن وكنياتهن. وبحلاوة اللسان واللهجة الحائلية المميزة استعرضن لنا البضائع المختلفة من البهارات والأعشاب العطرية التي اشتهرت بها المنطقة.






 سيدة تقوم بتعبئة النعناع الحائلي المجفف

 وقد خرجت من السوق بهذا الصندوق الحديدي القديم الذي يطلق عليه محليًا اسم الشنطة كانت تستخدمه النسوة قديمًا لحفظ أدوات الزينة.



حائل الزراعية:
للوهلة الأولى يأسرك منظر الغطاء النباتي المتنوع الذي تشتهر فيه مدينة حائل، فهناك أشجار الفاكهة المختلفة كالرمان والبرتقال والعنب والتين. إضافة إلى أشجار الزيتون المنتشرة في أرجاء المدينة صانعة حدائق الزيتون. ولم يقتصر سخاء أرض حائل الزراعية الخصبة على ذلك بل امتدت إلى النخيل المطلع والذي نراه أينما ولينا وجهنا في المدينة.



شجر التين المثمر والزيتون المزهر جنبًا إلى جنب في حائل


حائل من السماء:
مع نسمات الليل اللطيفة لم يتبق لنا سوى أن نحظى برؤية حائل من ارتفاع 1200 متر فوق سطح البحر. توجهنا إلى جبل السمراء التاريخي والذي تعلو قمته موقدة حاتم الطائي الذي عهد إلى إيقاد نارها كل ليلة ليهتدي إليها المسافرون. 

صورة أرشيفية لموقدة حاتم الطائي في النهار لعدم تمكني من التقاطها بشكل واضح


عند القمة كان هناك مطل جميل يتوفر فيه محل لبيع المرطبات والمشروبات وبعض الجلسات المجهزة لتستمتع برؤية حائل منبسطة أمامك بأنوارها المتلألة.

حائل كما تبدو من أعلى جبل السمراء

منظر لجبل السمراء في النهار

حائل الحديثة:
سيلقى الزائر إلى حائل الوجه الحضاري لهذه المدينة والمواكب لتطورات العصر. ففيها الكثير من مراكز التسوق الحديثة والمقاهي والمطاعم المختلفة. 

انتهت رحلتنا السياحية ولم تنتهي بعد المزارات الجميلة في حائل. لذلك آمل من هيئة السياحة إبداء مزيد من العناية بالمنشورات السياحية المطبوعة منها والإلكترونية وتوفيرها في الفنادق ومراكز التسوق والمواقع التاريخية. تلك المطبوعات من شأنها مساعدة الزائر في تجواله وتعرفه على المدينة وكيفية قضاء وقته فيها. عدم توفر تلك الأدلة أضاع علينا فرصة زيارة متحف حائل للآثار والتراث الشعبي لعدم معرفتنا بوجوده إلا ونحن في طريقنا إلى المطار.

السياحة الداخلية بما لها وعليها من ملاحظات تبقى تجربة فريدة مختلفة لن تستطيع تخيلها دون أن تعيشها. مغادرتك حدود مدينتك باتجاه الداخل يجعلك قريبًا من هذه البلد الثرية بالثقافات المتنوعة. تقبلك لما لم تألفه عينك من قبل سيوسع مداركك ويجعلك مرحبًا أكثر بتقبل الآخر وفهم اختلافه عنك. ستستمع إلى لهجات مختلفة عن لهجتك وأطعمة تعد بطريقة مغايرة وإن تشاركنا الاسم نفسه. سترى نفسك بملامح مختلفة ومظهر مختلف لكن في النهاية ستدرك أن الجمال في التنوع والأجمل في احترامه.

ودمتم ،،

** ** **
نظرة: أن تسافر يعني أن تكتشف أنَّ الجميع مخطئون بفكرتهم عن البلدان الأخرى - ألدوس هاكسلي

السفر بصحبة كتاب

0


لا تكتمل أركان السفر عندي إلا بكتاب يصحبني في ترحالي سواء كان لسويعات أو أسابيع. ومع حزم الحقائب تبدأ عملية انتقاء هذا الرفيق تبعًا لعوامل مختلفة.

أولها وسيلة المواصلات، فالسفر في الطائرة يُلزمني حمل ما خف من الكتب وزنًا وصَغُر حجمًا، ولذلك فالكتب ذات الغلاف السميك تستبعد تمامًا. أما رحلات السفر البرية فلا يشكل فيها وزن الكتاب وحجمه أية مشكلة، وهذا يتيح لي مساحة أكبر للاختيار.

ثانيًا، طبيعة الرحلة، الرحلات الجماعية أو المجدولة بالنشاطات تقل فيها ساعات القراءة الحرة. بالتالي أنتقي لها الكتب المقالية ليسهل توقفي عند أي جزء منها دون تشتيت. أما في الرحلات الفردية أو تلك التي إلى وجهات سفر تنام مبكرًا فترغمني على البقاء في المسكن وقتًا طويلاً، أختار لها الروايات. وإليكم بعض التلميحات المساعدة في اختيار رفيق سفركم القادم:
  • الروايات
لا استطيع حصرها أو اقتراح شيء منها لأنها تعتمد في المقام الأول على ذاقة القارئ. يمكن الاطلاع على رفي في موقع Good Reads لمعرفة الروايات التي قرأتها مؤخرًا. لكن أنصح وبشدة الابتعاد عن أدب السجون أوالحروب لما لها أثر سيء على المزاج.

  • السير الذاتية
جربت قراءة كتب السير الذاتية والتجارب الشخصية فكانت خيارات جيدة جدًا خصوصًا عندما أوفق بشخصية أو تجربة جيدة. بعض كتب السير التي قرأتها أثناء السفر كانت سيرة موسى بن ميمون الفيلسوف اليهودي الأندلسي الشهير. وكتاب Eat Pray and Love.

  • الكتب المقالية
وهي المفضلة عندي للرحلات القصيرة. وتتميز بعدم ارتباط مواضيعها ببعضها بشكل كبير مما يسهل قطع تسلسل القراءة. من أشهر الكتاب العرب البارعين في هذا النوع: أنيس منصور وقد قرأت له كتابين تميزا بخفة ظله. أما من المعاصرين إن كنتم تبحثون عن السلاسة والبساطة فكتب سلمان العودة عبدالله المغلوث وياسر حرب خيارات جيدة.

  • التنمية الذاتية وتطوير المهارات
هذا النوع من الكتب يتطلب مني التركيز الشديد، لذا فهي خارج نطاق الاختيار. إلا أني كثيرًا ما أشاهد في رحلات القطار الطويلة والتي تمتد لساعات مسافرين يحملون هذا النوع من الكتب خصوصا المتعلقة بالمهارات التقنية إلى جانب حواسبهم المحمولة، وكذلك كتب التلوين الخاصة بالكبار التي تساعد على تخفيف التوتر وزيادرة صفاء الذهن.



وبعد الانتهاء من مهمة اختيار الكتاب المرافق أبدأ بقراءته قبل الرحلة بأيام. أولاً للتأكد من أنه اختيار جيد، وثانيًا لخلق حالة الارتباط تلك التي تنشأ بيننا وبين الكتاب. ثم أقوم تاليًا بتقسميه على مدة السفر تبعًا لعدد الصفحات أو الفصول لأنتهي منه عادة في رحلة العودة.

وأخيرًا إن كنت ذو حظ سعيد فستحظى بسحر جميل قد يخبأه الكتاب لك. وذلك عندما توفق بالجمع بين الكتاب والوجهة الجغرافية. ستعيش حينها لحظات فريدة وكأن محتوى الكتاب خرج من بين دفتيه يتجسد أمامك ويغذى خيالك الصوري بسخاء.

حظيت بتلك الصدفة ثلاث مرات أولها في المدينة المنورة عندما قرأت رواية حسناء الحجاز، والأخرى في أسبانيا مع رواية ليون الأفريقي. وآخرها الصيف الماضي في الأردن عندما كنت أقرأ السيرة الذاتية Married to a Bedouin

*** *** ***

نظرة: "الكلمات مركباتنا، رحلاتنا الجوية وأوطاننا في الوقت نفسه" آندي ميلر

سحر الفراغ

1



كنت شخصًا يحب الاحتفاظ بكل شيء. ذاكرتي المادية تحوي قراطيس، قصاصات، قطع قماشية، ودمى. قطع متناثرة كل منها يحمل ذكرى أو موقف أو مناسبة. خزائني ممتلئة دون حاجة بأشياء مختلفة قد أستخدمها وقت الحاجة ونادرًا ما تأتي تلك الحاجة. لم أتوقف يومًا للتفكير بوقف عجلة الاستهلاك تلك بالرغم من ما تعرضت له من مواقف شتى أراها كانت مؤشرات تنبهني لذلك لكن لم أكن جاهزة للتعلم منها.
فبعد أن مكثت سبعة أشهر في شقة سكنية مؤثثة في مدينة مانشستر البريطانية حان وقت الانتقال إلى مدينة نوتنجهام. لأتفاجأ بأن  عدد الصناديق المنقولة جاوز 25 صندوقًا أختلف محتواها بين أواني منزلية ومستلزمات شخصية !
كيف قمت بجمع كل تلك الصناديق ! لا أعرف ..
بالرغم من ذلك لم أتعلم الدرس فاحتجت إلى صيفين كاملين لأفرغ شقتي السكنية في مدينة نوتنجهام التي قطنتها لمدة سبع سنوات.
حتى كان وانتقلت للعيش في منزل صديقتي نوف لمدة شهرين أثناء عملي على تعديل رسالة الدكتوراه. شقتها كانت تشبه شقتي في المساحة إلا أن الفراغ فيها جعلها أكثر اتساعًا وأبرز جمالها أكثر. فقد كانت لا تشتري من الأثاث إلا ما تحتاجه بالفعل. أريكة واحدة مزدوجة، سجادة أرضية صغيرة، مكتب للعمل، لا حاجة للتلفاز فلديها شاشة حاسب كبيرة، عدد محدد من الأواني المنزلية والتي بالكاد تكفي شخصين. كل شيء كان في منزلها بقدر.

ولأني لا أؤمن بعشوائية الصدف فإني أدركت لاحقًا أن فترة مكوثي في منزلها هي درس واقعي لأعي جمال الفراغ. فعدت بعدها وقد ألزمت نفسي بأن أعيد ترتيب حياتي لأخلق أكبر قدر من مساحة الفراغ حولي.

في العام الماضي تعرفت على النموذج الياباني في التنظيم والترتيب (Konmari Method) والذي قامت الاستشارية ماري كوندو بشرحه بإسهاب في كتابها (يتوفر حاليًا بنسخة عربية) وفي كثير من الفيديوهات التعليمية التي تعرض طرق الترتيب ووخطواته وأثره الإيجابي المنعكس على النفس والمكان.

ولمشاركة تجربتي في التخلص من الأغراض الزائدة عن حاجتي و الأدوات والجهات التي ساعدتني في ذلك، سأسرد ما يلي على شكل نقاط:

  • توقفت نهائيًا عن شراء التحف المنزلية، والشموع وخلافها. واكتفيت بتزيين المساحات بالنباتات الطبيعية
  • عمل جرد دوري للخزائن مع الحرص على تخصيص مساحة لكل نوع من المستلزمات
  • عدم تكديس القطع فوق بعضها بحيث تحجب رؤيتها
  • التخلص من أي مستلزم شخصي لم يتم استخدامه خلال السنوات الثلاث الماضية مهما كان ! 
  • عدم شراء أي مستلزم جديد دون معرفة لماذا سأستخدمه ومتى ؟!
  • القيام بذلك كله بعيدًا عن أعين عائلتي، فالآخرون يحيون لديك رغبة التملك وغالبًا ما يثنونك عن فعلتك
  • عدم الرضوخ لتوسلات الأشخاص باستبقاء أي غرض لم تستخدمه لفترة طويلة مهما كان
  • استمعت إلى بودكاست يتحدث عن كيفية فصل مشاعر الارتباط بالقطع المادية ومساعدتك في التخلص منها. تتضمنت نصائحهم تخصيص صندوق تجمع فيه جميع القطع المراد التخلص منها وتخزينها في مكان بعيد كالمرآب لمدة سنتين. في حال لم يتم فتح الصندوق خلال هذه الفترة، يتم التخلص منه بسرعة دون فتحه حتى لا تعاود مشاعر الارتباط إلى نفسك
  • استخدام التطبيق الهاتفي الخاص بنموذج كون ماري للتنظيم والترتيب. فكرة التطبيق تبدأ بتسجيلك لمساحة المسكن الذي تقطنه، وسيقوم التطبيق بعرض مشاركة الآخرين لأفكارهم وحيلهم الذكية في الترتيب بمساحات تشابه مساحة مسكنك المختار.

تطبيق كون ماري متوفر حاليًا على منصة iOS فقط


  •  بالنسبة للأجهزة الإلكترونية، فالتخلص من أجهزة الحاسب القديمة المكتبية منها والمتنقلة بات سهلاً. فجمعية إرتقاء في المملكة العربية السعودية تهدف إلى تطوير المجتمع وحماية البيئة وذلك بإتاحة الفرص للتخلص من أجهزة الحاسب القديمة وإعادة تأهليها ثم التبرع بها إلى جهات مستفيدة كجمعيات البر. أما النفايات الإلكترونية المنزلية، كالموصلات الكهربائية، الطابعات، أجهزة التحكم، الهواتف والأجهزة اللوحية فتستقبلها شركة داز السعودية لتدوير النفايات الكهربائية والإلكترونية


  • أما بالنسبة للكتب، فمهمة ترتيبها وتنظيمها تعد من أمتع اللحظات. إلا أن تدوير مالايلزم منها أوجبني الشجاعة والإقدام. وبالفعل قمت باستبعاد أي كتاب قرأته ولم أعد إليه لأكثر من خمس سنوات ولم يعد يمثَل لي مرجعًا. مثل روايات قرأتها وانتهيت منها، أو كتب معلومات عامة قديمة استجدت وسهل الحصول على الجديد منها عبر الانترنت.
    بعد أن حصرت الكتب المستبعدة، قمت بتقسيمها إلى مجموعات وعرض صورها على أصدقائي وأعضاء أندية القراءة المشتركة فيها لمن يرغب في اقتناءها. 



وأخيرًا، بعد أن تنتهي حفلة التنظيم والترتيب، أقوم بلصق ملصق ملون على كل خزانة تم ترتيبها حتى لا أعاود فتحها مجددًا والتخلص من ما تبقي! فعادة التخلص مؤذية تمامًا كحب التملك. ما أن تذوق حلاوة التحرر من الماديات تجد نفسك وقد انجرفت للتخلص من الأساسيات والتفاجؤ بعدم امتلاكها.



*****    *****

نظرة: جوهر الروح هو الحرية، وجوهر المادة هو الكم (جورج هيجل)

البدايات الجديدة

3


بداية اليوم، الأسبوع، الشهر أو السنة .. تلك هي البدايات، منعشة شيقة مهما اختلفت. ومع كل بداية هناك فرص تتحين ساعتها لتشرق على حياتنا لتملأها أملاً وحيوية.

أجد نفسي في البدايات، حين تكون الأهداف وليدة، حين أقضي أول الساعات أخط الجداول وأقسم المهام. فهذه قائمة اليوم، تليها قائمة الأسبوع لتكبر أكثر فتصبح قائمة شهرية لتصب في النهاية في بحر الأهداف السنوية الكبيرة وذلك سر التخطيط الناجح.

السر يكمن في التبسيط الذي يتبعه الالتزام. وهذا هو المنهج الذي اتبعه مؤخرًا بعد أن تنقلت بين الكثير والكثير من أساليب التخطيط المختلفة. ويعود الفضل إلى ذلك إلى محاضرة للدكتور جاسم المطوع حضرتها قبل عدة أشهر. شرح فيها آلية تقسيم الأهداف إلى أهداف صغيرة جدًا على فئات رئيسة تنوعت بين العبادة، التعليم، الترفيه، المال والعلاقات. وشدد الحرص على التوقف عند كل إنجاز صغير للاحتفال به. لهذا أصبحت أقوم بحصر إنجازاتي الشهرية بورقة ألصقها في نهاية كل شهر من أجندتي الصغيرة، ومع انقضاء الشهر أجلس مع نفسي جلسة احتفاء أو مراجعة على حسب أدائي فيه.





دائرة الحياة التي تستخدم للتخطيط وخلق التوازن بين نواحي الحياة المختلفة
 Wheel of Life


وللعودة إلى منهج التبسيط، لابد من الحديث عن التخطيط اليومي والذي يمثل العصب الأساسي للنجاح. بشكل بديهي تكون أيام الأسبوع منظمة ومجدولة كل حسب طبيعة عمله. إلا أن المشكلة تبدا بالظهور في أيام العطل الأسبوعية أو الفصلية. في الأخيرة، وجدت أن الطريقة الأفضل بالنسبة لي هي أن أقوم بتقسيم اليوم بناءًا على أوقات الصلوات الخمس. وجعل أوقات الصلاة كفترة استراحة بين القيام بالمهام اليومية. اتباع هذه الخطة ساهم في تنظيم أيام العطل والإجازات وجعلها أكثر فعالية.

 لكن ماذا عن طقوسي الشخصية مع مطلع كل عام؟
اعتدت أن أبدأ التحضير للعام الجديد قبل بدءه بشهور، وذلك بشراء أجندة جديدة انتقيها بعناية شديدة وأتخيرها ملهمة في كل شيء، ابتداءًا من لونها إلى ملمس ورقها.
ثم اقوم بتجهيز قوائم لأهداف شهرية أود تحقيقها خلال العام، مع كثير من الوعود التي أقطعها على نفسي  والتي ساعدتي نعمة التقنية على الالتزام بها، كالاهتمام بصحتي، وتقنين الأوقات الضائعة، أو زيادة حصيلتي اللغوية. فمثلاً تطبيق Goodreads يسهل عملية وضع أهداف المطالعة السنوية ومشاركتها مع الآخرين. ومع التزامي بهذا التطبيق استطعت أن أرفع عدد الكتب السنوية المقروئة من 22 كتاب في عام 2015 لتصبح 30 كتاب في العام 2016.

ولايكاد يمر مطلع عام دون أن أسن عادة حسنة أو أقلع عن غيرها. فقد تمكنت قبل عامين من التوقف تمامًا عن وضع السكر في المشروبات في موقف طريف كان البطل فيها قوة عقلي الباطن بعد أن عانيت من تكرار محاولات الفشل بالتوقف عنه. في المقابل أمضيت عامًا كاملًا آخر بالتدوين اليومي وكتبت عن ذلك تدوينة مفصلة



هذا العام ألزمت نفسي بأهداف شخصية مقننة جدًا بغية التركيز على تحقيقها بإذن الله، وإلى جانب ذلك فقد اقتنيت كراستين. الأولى، كراسة متابعة يومية لتسجيل أدائي نحو أهداف هذا العام. أما الأخرى فهي لمشروع بدأته مع صديقاتي حول الكتابة، ثم محورته استلهامًا من المبدعة خديجة سندي ليصبح مشروع يومي لكتابة 365 تدوينة صغيرة.

ولا يمكني إنهاء هذه التدوينة دون التدرج إلى دورة رتبني 2017 والتي قامت الملهمة نماء شام بتنظيمها على الانترنت عبر مدونتها بشكل بديع، وأحسنت بتبسيط مفهوم التخطيط وآليته. كما دعمت عملها بكثير أوراق العمل المحفزة وأثرت رسائلها بالمراجع القيمة والمصادر المختلفة لمن رغب بالاستزادة.

ومادامت أرواحنا تستيقظ كل صباح فهي رسالة ربانية فيها من اللطائف ما يكفي لجعل أحلامنا الكبيرة واقعية وأهدافنا البعيدة نصب أعيننا

ودمتم ،،

******

نظرة: اللهم لقنا رسالتنا على الأرض وارزقنا العمل بها على الوجه الذي يرضيك عنا

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه