استراتيجية إشارة المرور

0



يدرك الأكاديميون أهمية قياس وجهة نظر الطلاب حيال المقرر الدراسي عقب إتمامه، حتى تنوعت معايير القياس وطرائقه. فتجربتي مع تقييم الأداء التعليمي عندما كنت طالبة اختلفت عما أجده الآن كأكاديمية.

عندما كنت طالبة في جامعة نوتنجهام كانت الطريقة المتبعة لقياس وجهة نظر الطالب عبارة عن استمارة ورقية يتم توزيعها على الطلبة في آخر الفصل الدراسي. فالأستاذ الأكاديمي يتوجب عليه إبلاغ وحدة القياس والجودة عن موعد آخر محاضراته في الفصل الدراسي، لترسل الأخيرة أحد موظفيها فيلتقي بالطلبة لملء استبيان تنوعت أسئلته بين المقال والقياس حول المقرر والأستاذ. وبعد الانتهاء من ذلك يقوم المسؤول من وحدة القياس بإدارة حوار قصير مع الطلبة يسجل من خلاله ملاحظات حول العوائق والصعوبات في هذا المقرر. بعد ذلك يقوم المسؤول بجمع تلك المعلومات وتحليلها وكتابة تقرير متكامل عن وجهات النظر المختلفة ليرسله في الأخير إلى الأستاذ للاطلاع والاستفادة منه.

أما عندما عدت إلى عملي كأكاديمية في الجامعة، رأيت نوعًا آخرًا من التغذية الاسترجاعية. فالتقارير تعتمد على جمع آراء الطلبة حول المقرر وأساتذته ككل دون الأخذ في الاعتبار تعدد الأساتذة الذين يقومون بتقاسم تدريس المقرر. هذا عدا عن كون التقرير يحتوي على بيانات رقمية ورسوم بيانية تخلو من أي تعليقات توضيحية من الطلبة. قمنا بطلب الحصول على تقرير مفصل لفهم تقييم الأداء التعليمي الفردي  بشكل أفضل. لكن حتى تلك الخطوة لم تنجح لأن التقييم كان يعكس بشكل كبير الأداء المشترك.

ولأني أدرك أهمية التقييم الذاتي للأداء التعليمي ودوره في تطوير العملية التعليمية قمت بالبحث عن أفضل الطرق الذاتية لتقييم الأداء. فتوصلت إلى استراتيجية يطلق عليها في جامعة ميشجن اسم (استبانة الاشارة المرورية Traffic Light Strategy)، وتسميها جامعة هارفرد باسم (Start/ Stop/ Continue). تعتمد هذه الاستراتيجية ببساطة مبدأ طرح ثلاثة أسئلة تتلخص بالحروف الانجليزية - KQS - (Keep / Quite /Stop) كما تسميها جامعة دوكين:

السؤال الأول:
 ?WHAT SHOULD THE TEACHER START DOING 
مالذي ينبغي على المعلم البدء بفعله؟


السؤال الثاني:
 ?WHAT SHOULD THE TEACHER STOP DOING
مالذي ينبغي على المعلم التوقف عن فعله؟


السؤال الثالث:
 ?WHAT SHOULD THE TEACHER CONTINUE DOING
مالذي ينبغي على المعلم الاستمرار في فعله؟


وبالفعل، قمت بتطبيق تجربتي الأولى لهذه الاستراتيجية في منتصف الفصل الدراسي الحالي (بالتحديد بعد انتهاء محاضرات الأسبوع السابع). قبل أن أبدأ وضحت للطالبات فكرة الاستراتيجية والمخرجات المأمولة منها والتي لا يرجى أن تكون على شاكلة العبارات النمطية المنمقة بالمديح بل على العكس شجعتهم على الإفصاح بمنطقية عن آراءهم ووجهات نظرهم. ذلك لأن العقلية العربية عادة ما تخشى توجيه النقد والتصريح به بشكل مباشر إلى الآخرين لما قد يسبب غضبهم، ويعزى ذلك إلى ضيق المساحة الفاصلة بين ذاتهم وأفعالهم !!

ثم بعد ذلك قمت بتوزيع قصاصات ورقية تضمنت الأسئلة الثلاث كتبت بصيغة واضحة ومباشرة. كنت متفائلة جدًا بنجاح هذه الاستراتيجية في الحصول على وجهات نظر مختلفة عن الطرق الأخرى التي جربتها من قبل، وبالفعل صدق حدسي في ذلك. فقد حصلت على تغذية استرجاعية ثرية وملاحظات جديدة وأفكار خلاقة ساعدتني كثيرًا في فهم احتياجات الطالب من حيث نوعية الأنشطة المحببة لهم ، ونقاط القوة والضعف التي يجب علي صقلها وتطويرها.

خطتي الآن لتطوير هذه الفكرة استعدادًا للفصل الدراسي القادم هي الاستفادة من التقنية في جمع وجهات النظر. خصوصًا أن الأسلوب الورقي لا يتناسب تطبيقه مع المقررات ذات المجاميع الكبيرة.

فقررت تصميم استبيان إلكتروني باستخدام إحدى منصات النماذج المجانية مثل (Survey Monkey - Google Forms - Type Form) وغيرها. مع صنع QR Code ليسهل على الطالبات الوصول إلى رابط الاستبانة عن طريق مسح الكود باستخدام هواتفهم الذكية وتعبئة الاستمارة مباشرة.

تعلمت قيمة إنسانية من خلال تخصصي الدقيق (HCI) وهي أن الإنسان لا يعرف غالبًا ما يحتاج بل ما يريد. فكم من الابتكارات صنعها الإنسان فقط لأنه يريدها لا لأنه يحتاجها. لهذا نلجأ عند التصميم أو تطوير التقنيات إلى فهم المستخدم واستقراء احتياجاته أولا ثم فهم رغباته. قد أعرف كأكاديمية المهارات التي أريد اكتسابها وتطويرها، لكني قد أجهل تلك التي أحتاجها ذلك لأني لا أعرف مقدار حاجة الآخرين لها. 

ودمتم ،،

*** *** ***
نظرة: "جميعنا يحتاج إلى معرفة وجهة نظر الآخرين، هكذا نتطور" بيل جيتس
*** *** ***

مصادر مفيدة للاستزادة:

معسكر الكتابة

0



لا أعرف عن مدى صحة نظريات اقتران الكتابة الجيدة بالعزلة. فمن رحمها خرجت لنا روائع الكتب العالمية، وكذلك كان الصخب سخيًا في غزارة الإنتاج. إلا أني سأحكي عن تجربتي في العزلة الكتابية ومعسكرات الكتابة العلمية.

أبدأ حكاية تجربتي منذ السنة الأولى في برنامج الدكتوراه، حين كان فريق البحث العلمي في جامعة نوتنجهام يلزمنا بقضاء يومين خارج المدينة تحت مسمى نشاط Writing Retreat أو مأوى الكتابة، والذي كان عبارة عن منتجع ريفي نائي. يخرج لهذا المعسكر الجميع من طلبة ومشرفين لا يسمح أبدًا بالتخلف عنه فقد كانت المواعيد تحدد مسبقًا بوقت طويل.








خلال المعسكر كانت الأنشطة الكتابية تصنف حسب مراحل الطالب البحثية. فطلبة السنة الأولى كان يطلب منهم إعداد نسخة أولية لمسودة أعمال السنة الأولى والتي يدرك طلبة الدكتوراه أهمية اشتراط اجتيازها لاستمرارية مرحلة الدكتوراه. أما طلبة السنة الثانية فيطلب منهم تقديم مسودة لورقة علمية حول البحث يعتزم نشرها. وأخيرًا طلبة السنة الثالثة والذين كان يطلب منهم العمل على مسودة الأطروحة وتقسيم فصولها ومواضيعها. وأخيرًا طلبة السنة الرابعة فقد كان حضورهم اختياريًا لمن رغب في الحصول على استشارة حول أطروحته وكان يستعان بهم أيضًا في تقييم أعمال الطلبة في المراحل الأخرى.

في يوم الوصول كنا نحظى بسهرة عشاء يتشارك فيها الجميع ليتم الاندماج والتأقلم مع المكان والتعرف على بعضنا البعض بشكل أكبر، ثم يخلد الجميع إلى النوم باكرًا. لتبدأ أولى أعمال المعسكر مع ساعات الصباح الباكرة التي تستفتح بسلسلة ورش عمل حول الكتابة العلمية الأكاديمية وفنونها.
ثم بعد منتصف النهار يتم توزيع الطلبة بين الأساتذة. بحيث يقدم الطالب عمله الكتابي كل حسب مرحلته إلى أستاذين لا يمتان إلى بحثه بصلة. يناقشانه حول ما كتب وحول طبيعة بحثه ويقدمان له النصائح. ثم بعد ذلك تبدأ خلوتنا الكتابية حتى صباح اليوم الثاني نكمل فيها العمل على الملاحظات التي قدمت لنا. في صباح اليوم الثاني تستمر ورش العمل حول مواضيع بحثية مختلفة إلى أن ينتصف النهار، لنعود الالتقاء بمشرفينا ومناقشة ما حصلنا عليه من ملاحظات.



ومن العوامل التي ساعدتنا على التركيز خلال معسكر الكتابة سكون المكان وبعده عن صخب المدينة وأصواتها. فقد هيء المكان ليكون منتجع هادئًا يرتاده كبار السن والباحثين. كذلك عدم وجود تغطية كافية للانترنت هناك، وتعطلها بكثرة ساهم في بعدنا عن المشتتات التقنية. كنا نعمل جميعًا في مكان واحد، فلا يسمح بالذهاب إلى غرفة النوم للاستراحة إلا في المساء قبل العشاء وقد ساعد ذلك على تركيز الجهد على العمل.




معسكر الكتابة الرقمي:

في شهر نوفمبر عام 2014، دعت الدكتورة سمر الموسى إلى مارثون كتابي أكاديمي عبر مدونتها يهدف إلى تشجيع أكبر عدد ممكن من الراغبين على إنجاز أعمالهم الكتابية. وعبر وسم #تحدي_الكتابة انضم العديد من الأكاديميين إلى هذا المارثون متحدين أنفسهم على إنجاز تكاليفهم الكتابية على خطى معسكرات الكتابة. إلا أن الاختلاف فيه هو عدم وجود تقييم لما تكتب أو تحديد سقف أقصى لمعدل الكلمات. فقط أنت وما تكتب مع تحديث ملف المتابعة الأسبوعي بعدد الكلمات المنجزة خلال الأسبوع. وعلى خطى هذه المبادرة استلمت العزيزة غيداء الجويسر دفة المعسكر منظمة تحدي الكتابة بشكله السنوي. 

ولأني أكتب هذا المقال صباح انطلاق التحدي، فأني أدعو كل من لديه هدف كتابي (علمي: كورقة علمية أو مسودة بحث، أو عمل حر: كالنصوص الأدبية، الروائية أو المقالية) الانضمام إلى الركب عبر تعبئة هذا النموذج والاستمتاع بالتجربة. كما قام مشكورًا الأستاذ عبدالله القرني بتصميم نموذج ورقة اكسل لمتابعة الإنجاز اليومي والأسبوعي ذكية يمكنكم الحصول عليه من هنا


قيل عن مبادرة تحدي الكتابة:


*** *** ***

نظرة: "الكتاب الذين يفشلون في الكتابة هم أولئك الذين يستسلمون بسبب المؤثرات الخارجية والضغوط، أو بسبب تأخر نشر كتبهم. ارفعوا إرادتكم فوق كل الظروف" والتر موزلي من كتاب لماذا نكتب؟

عشر سنوات من التدوين

0


ظهر يوم صيفي طويل جلست خلف جهاز حاسب مكتبي متأملةً تلك الصفحة الفارغة متحيرةً كيف ستبدو الألوان والصور. عن ماذا أكتب وبماذا أبدأ؟! ..  لم يدر بخلدي قط أن تلك الصفحة ستغدو مدونة تنسج خيوطها حولي عشر سنوات.

" كيف استطعت الالتزام؟! " كان سؤال يتردد طيلة هذه السنين.
عندما تصبح الكتابة رئتك الثالثة فلن تسأل أحدًا هذا السؤال، فالتدوين لم يعد هواية بل هوية ومتنفس حين تحتبس بداخلي الكلمات. هي مساحتي الحرة التي وهبتني الجرأة لأن أزاول الكتابة بكل حرية، ومنحتني الثقة لأطرح آرائي باستقلالية، وأرى العالم بعين ناقدة. فلم تعد المدونة بطاقة تعريف لي فحسب يعرفني الناس بها، بل أصبحت نقطة إيجابية تضاف إلى تقييمي الوظيفي السنوي كل عام !


أرى المواضيع تتمثل أمامي حية، تصطف الجمل خلف بعضها كل يعرف مكانه. أصمت فأجدني أكتب في عقلي تدوينة كاملة فأهرع إلى أي وسيلة أحفظ بها الأفكار قبل هروبها. كل هذا جعلني لا أعرف التوقف حتى وأنا أصارع رغبة التفرغ كليًا للتدوين العلمي. فلا أحد يستطيع إبعاد الكتابة عنا كما أن لا أحد يستطيع منحنا إياها (ميغ والترز).


بتجربتي هذه أستطيع استخلاص عشر نصائح أهديها لكل من يرغب ببدء رحلة التدوين:

- حدد سمة واضحة للمدونة، تندرج تحتها قائمة اهتماماتك التي تود مشاركتها الآخرين. ففضاء التدوين واسع لا حصر له. فعلى سبيل المثال هناك مدونات تهتم بمراجعات الكتب أو الأفلام، وأخرى تدون حول الجمال وخطوط الموضة. هناك مدونات علمية وأخرى للترجمة. وأخيرًا هناك الكثير من المدونات تشاركني الاهتمام بالتجارب الشخصية ونشرها. بالمحصلة: تحديد السمة سيسهل إيجاد مواضيع للكتابة عنها ويحفز على الاستمرارية

- لا تقارن نفسك بغيرك، فلا تقلد أو تستنخ. كن أنت أنت و لا تبالي فالعالم ملئ بالمقلدين

- اقرأ كثيرًا، ارتحل كثيرًا، انظر للعالم بمنظار أوسع. أصنع صندوق عجائبك السحري

- صمم مدونتك باحترافية مستخدمًا وصفة الأذكياء التي تعتمد البساطة. فاختر ألوانًا مناسبة لهوية المدونة واعتمد خطوطًا مقروءة.

- لا تتردد النشر، أو تخجل من ماضيك فكل صغير يكبر وكل جاهل يتعلم. المهم هو أن نتحرك نحو الأفضل. مازالت تدويناتي القديمة موجودة، لم أقم بإخفاءها أو إزالتها. بأعود لها بين فينة وأخرى لأرى حجم التغير الذي حدث وأتعلم منه.

- عادة ما تقام مشاريع تعاونية بين المدونات لتنظيم تحدي التدوين لمدة شهر معين أو حول مواضيع معينة. الاشتراك بهذا النوع من التحديات يساهم في تعرفك على ذاتك أكثر حين تجد نفسك تكتب في مجال لم تختبر نفسك به من قبل

- اصنع طقوسا خاصة بك وأجواء تساعدك على التدوين. لكل كاتب طقوسه الخاصة تساعده على الإلهام والإبداع. اكتشف طقوسك الخاصة وشاركها الآخرين. من طقوسي الاختلاء بنفسي في المراحل الأولية لكتابة المقال، والقيام بكتابته مباشرة على صفحة المدونة، فاستخدام برمجيات الكتابة المساعدة أو الورقة والقلم لا تؤتي أكلها معي دائمًا. أحيانًا كوب من الشاي وصوت موسيقي جميل يصنع أجواءًا جيدة. (ملاحظة: كُتبت هذه التدوينة وأنا في القطار متجهة إلى فيننا في رحلة استغرقت الأربع ساعات، أحطت نفسي عن صخب من حولي بسماعة أذن وكوب شاي وشرعت بالكتابة)

- استمر حتى لو مررت بفترات ملل وفتور واجعل لنفسك مشعلا توقده متى ما ضعفت
النفس

- احتفل بكل إنجاز صغير تحققه. لم انتظر بلوغ عشر سنوات لاحتفل بالمدونة. فقد سبق هذا احتفال صغير بعد أن أتممت سبع سنوات من التدوين 

- ابدأ الآن ولا تنتظر اللحظة المناسبة. إن كانت رغبة التدوين تراودك فاترك المقال وابدأ بتجهيز مدونتك ولا تنسى مشاركتها معي. كذلك في نشر التدوينات، وقد تكون هذه ملاحظة لنفسي قبلكم فكم من التدوينات الآن ماهي إلا حبيسة المسودة بسبب تأخري عن نشرها في وقتها المناسب.

*** *** ***

وبهذه المناسبة أقمت احتفالاً صغيرًا في منزلي ضم شمل من الأهل والأصدقاء شاركوني فرحة الإنجاز الشخصي وغمروني بكرمهم ببطاقات تهنئة ومجموعة فريدة من الكتب.






بالمقابل اخترت أن تكون الهدية التذكارية التي حملها الحاضرون معهم إلى منازلهم مكونة من أكثر الأشياء حبًا إلى قلبي، الكتب و النباتات. فغادر كل منهم حاملاً كتابًا وشتلة. أما أنا فقد اتخذت موضعًا في حديقة المنزل لتستقر فيها نبتة زرعتها بهذه المناسبة.




** ** **
نظرة: "أكتب كل شيء كما لو كان أول شيء تكتبه في حياتك، فاليوم الذي تعتقد فيه بأنك تعرف كيف تفعل ذلك هو اليوم الذي تنتهي فيه حياتك ككاتب" وليام غولدمان

اكتشف السعودية: حائل والعقال المائل !

0


ما أن يبدأ الحديث عن السياحة الداخلية حتى تجد في طياته الكثير من الشكوى وانعدام الجدوى منها، حتى باتت مقتصرة على الأسر التي لم تستطع إلى السياحة الخارجية سبيلاً. ولتبديد تلك الصور النمطية عن السياحة الداخلية قررت وزوجي مؤخرًا تخصيص جزء من إجازاتنا السنوية للسياحة الداخلية واكتشاف المملكة من جديد وذلك بزيارة مدن ومناطق لم نرها من قبل. وقد وقع الدور على مدينة حائل عروس الشمال في الأسبوع الماضي.

في رحلة طيران لم تتجاوز الساعة وخمس دقائق من مطار جدة حتى مطار حائل الإقليمي حطت رحالنا فيها. وعلى خلاف عادتنا في السياحة الخارجية التي لا نحرص أثناءها على السكن في فنادق عالمية لتوفر بدائل محلية مقاربة بالجودة ومناسبة بالسعر، نحرص أثناء رحلاتنا الداخلية على تخير فنادق السلاسل العالمية في المدينة لضمان نظافة المكان وجودة الخدمات. وبالرغم من موقعه البعيد اخترنا فندق ملينيوم حائل والذي يقع في حرم جامعتها مسكنًا مناسبًا لنا. 



بدأت جولتنا بالتعرف على أرجاء المدينة وشوارعها المختلفة التي يلاحظ فيها كثرة الحدائق العامة، والميادين التي تحمل أسماء مستوحاه من الأشكال التراثية المزدانة بها كالدلال القديمة. 

حائل التاريخية:
بعد البحث عن أهم المعالم التراثية والمواقع التاريخية في المدينة اتجهنا إلى حي لبدة الذي يقع في وسط المدينة القديمة. 


صورة ملتقطة من حي لبدة

كان السير في شوارع ذلك الحي بمثابة العودة إلى الماضي. بآبار معطلة وبيوت خاوية يكشف كل التفاف للأزقة عن فن معماري فريد نعجز عن إخفاء دهشتنا من جماله. وبالرغم من تعرض تلك المنازل القديمة للإهمال الذي صير بعضها مردمًا للنفايات إلا أن تلك الأكوام لم تقدر على حجب جمالها الآخاذ.






وعلى الجانب الآخر من حائل التاريخية يقع قصر القشلة بمعماره النجدي وزخارفه الجصية الحائلية، وهو أحد القصور التاريخية التي بنيت في عهد الملك عبدالعزيز عام 1940 للميلاد.

صورة لقصر القشلة التاريخي

بجانب هذا القصر يقع مطعم تراثي تسنى لنا فيه تذوق الأطباق التراثية الحائلية كالتمن الذي يشبه إلى حد كبير الأرز العراقي، والهريس والذي يشبه طبق الجريش المعروف والكبيبة أو كبيبة حائل وهي طبق شبيه بطبق ورق العنب الشهير. صمم المطعم بطراز يحاكي المنازل الحائلية القديمة مما جعل من تناولنا الطعام فيه تجربة مميزة.

صورة لباب منقوش بنقوش حائلية من داخل المطعم التراثي

الاعتزاز باللهجة الحائلية يظهر جليًا في استخدام المفردات المحلية حتى في اللوحات الإرشادية فكلمة الصفط تعني محفظة النقود


السوق الشعبي:
تشتهر حائل بعدد من الأسواق الشعبية، أشهرها سوق برزان الشعبي ويقع بالقرب من قصر برزان التاريخي الذي كان يعد قصرًا للحكم لكل من عائلة آل علي ومن بعدهم آل رشيد. أول ما لفت انتباهنا في هذا السوق تواجد الكثير من النسوة البائعات داخل محالهن التجارية التي تحمل أسماءهن وكنياتهن. وبحلاوة اللسان واللهجة الحائلية المميزة استعرضن لنا البضائع المختلفة من البهارات والأعشاب العطرية التي اشتهرت بها المنطقة.






 سيدة تقوم بتعبئة النعناع الحائلي المجفف

 وقد خرجت من السوق بهذا الصندوق الحديدي القديم الذي يطلق عليه محليًا اسم الشنطة كانت تستخدمه النسوة قديمًا لحفظ أدوات الزينة.



حائل الزراعية:
للوهلة الأولى يأسرك منظر الغطاء النباتي المتنوع الذي تشتهر فيه مدينة حائل، فهناك أشجار الفاكهة المختلفة كالرمان والبرتقال والعنب والتين. إضافة إلى أشجار الزيتون المنتشرة في أرجاء المدينة صانعة حدائق الزيتون. ولم يقتصر سخاء أرض حائل الزراعية الخصبة على ذلك بل امتدت إلى النخيل المطلع والذي نراه أينما ولينا وجهنا في المدينة.



شجر التين المثمر والزيتون المزهر جنبًا إلى جنب في حائل


حائل من السماء:
مع نسمات الليل اللطيفة لم يتبق لنا سوى أن نحظى برؤية حائل من ارتفاع 1200 متر فوق سطح البحر. توجهنا إلى جبل السمراء التاريخي والذي تعلو قمته موقدة حاتم الطائي الذي عهد إلى إيقاد نارها كل ليلة ليهتدي إليها المسافرون. 

صورة أرشيفية لموقدة حاتم الطائي في النهار لعدم تمكني من التقاطها بشكل واضح


عند القمة كان هناك مطل جميل يتوفر فيه محل لبيع المرطبات والمشروبات وبعض الجلسات المجهزة لتستمتع برؤية حائل منبسطة أمامك بأنوارها المتلألة.

حائل كما تبدو من أعلى جبل السمراء

منظر لجبل السمراء في النهار

حائل الحديثة:
سيلقى الزائر إلى حائل الوجه الحضاري لهذه المدينة والمواكب لتطورات العصر. ففيها الكثير من مراكز التسوق الحديثة والمقاهي والمطاعم المختلفة. 

انتهت رحلتنا السياحية ولم تنتهي بعد المزارات الجميلة في حائل. لذلك آمل من هيئة السياحة إبداء مزيد من العناية بالمنشورات السياحية المطبوعة منها والإلكترونية وتوفيرها في الفنادق ومراكز التسوق والمواقع التاريخية. تلك المطبوعات من شأنها مساعدة الزائر في تجواله وتعرفه على المدينة وكيفية قضاء وقته فيها. عدم توفر تلك الأدلة أضاع علينا فرصة زيارة متحف حائل للآثار والتراث الشعبي لعدم معرفتنا بوجوده إلا ونحن في طريقنا إلى المطار.

السياحة الداخلية بما لها وعليها من ملاحظات تبقى تجربة فريدة مختلفة لن تستطيع تخيلها دون أن تعيشها. مغادرتك حدود مدينتك باتجاه الداخل يجعلك قريبًا من هذه البلد الثرية بالثقافات المتنوعة. تقبلك لما لم تألفه عينك من قبل سيوسع مداركك ويجعلك مرحبًا أكثر بتقبل الآخر وفهم اختلافه عنك. ستستمع إلى لهجات مختلفة عن لهجتك وأطعمة تعد بطريقة مغايرة وإن تشاركنا الاسم نفسه. سترى نفسك بملامح مختلفة ومظهر مختلف لكن في النهاية ستدرك أن الجمال في التنوع والأجمل في احترامه.

ودمتم ،،

** ** **
نظرة: أن تسافر يعني أن تكتشف أنَّ الجميع مخطئون بفكرتهم عن البلدان الأخرى - ألدوس هاكسلي

السفر بصحبة كتاب

0


لا تكتمل أركان السفر عندي إلا بكتاب يصحبني في ترحالي سواء كان لسويعات أو أسابيع. ومع حزم الحقائب تبدأ عملية انتقاء هذا الرفيق تبعًا لعوامل مختلفة.

أولها وسيلة المواصلات، فالسفر في الطائرة يُلزمني حمل ما خف من الكتب وزنًا وصَغُر حجمًا، ولذلك فالكتب ذات الغلاف السميك تستبعد تمامًا. أما رحلات السفر البرية فلا يشكل فيها وزن الكتاب وحجمه أية مشكلة، وهذا يتيح لي مساحة أكبر للاختيار.

ثانيًا، طبيعة الرحلة، الرحلات الجماعية أو المجدولة بالنشاطات تقل فيها ساعات القراءة الحرة. بالتالي أنتقي لها الكتب المقالية ليسهل توقفي عند أي جزء منها دون تشتيت. أما في الرحلات الفردية أو تلك التي إلى وجهات سفر تنام مبكرًا فترغمني على البقاء في المسكن وقتًا طويلاً، أختار لها الروايات. وإليكم بعض التلميحات المساعدة في اختيار رفيق سفركم القادم:
  • الروايات
لا استطيع حصرها أو اقتراح شيء منها لأنها تعتمد في المقام الأول على ذاقة القارئ. يمكن الاطلاع على رفي في موقع Good Reads لمعرفة الروايات التي قرأتها مؤخرًا. لكن أنصح وبشدة الابتعاد عن أدب السجون أوالحروب لما لها أثر سيء على المزاج.

  • السير الذاتية
جربت قراءة كتب السير الذاتية والتجارب الشخصية فكانت خيارات جيدة جدًا خصوصًا عندما أوفق بشخصية أو تجربة جيدة. بعض كتب السير التي قرأتها أثناء السفر كانت سيرة موسى بن ميمون الفيلسوف اليهودي الأندلسي الشهير. وكتاب Eat Pray and Love.

  • الكتب المقالية
وهي المفضلة عندي للرحلات القصيرة. وتتميز بعدم ارتباط مواضيعها ببعضها بشكل كبير مما يسهل قطع تسلسل القراءة. من أشهر الكتاب العرب البارعين في هذا النوع: أنيس منصور وقد قرأت له كتابين تميزا بخفة ظله. أما من المعاصرين إن كنتم تبحثون عن السلاسة والبساطة فكتب سلمان العودة عبدالله المغلوث وياسر حرب خيارات جيدة.

  • التنمية الذاتية وتطوير المهارات
هذا النوع من الكتب يتطلب مني التركيز الشديد، لذا فهي خارج نطاق الاختيار. إلا أني كثيرًا ما أشاهد في رحلات القطار الطويلة والتي تمتد لساعات مسافرين يحملون هذا النوع من الكتب خصوصا المتعلقة بالمهارات التقنية إلى جانب حواسبهم المحمولة، وكذلك كتب التلوين الخاصة بالكبار التي تساعد على تخفيف التوتر وزيادرة صفاء الذهن.



وبعد الانتهاء من مهمة اختيار الكتاب المرافق أبدأ بقراءته قبل الرحلة بأيام. أولاً للتأكد من أنه اختيار جيد، وثانيًا لخلق حالة الارتباط تلك التي تنشأ بيننا وبين الكتاب. ثم أقوم تاليًا بتقسميه على مدة السفر تبعًا لعدد الصفحات أو الفصول لأنتهي منه عادة في رحلة العودة.

وأخيرًا إن كنت ذو حظ سعيد فستحظى بسحر جميل قد يخبأه الكتاب لك. وذلك عندما توفق بالجمع بين الكتاب والوجهة الجغرافية. ستعيش حينها لحظات فريدة وكأن محتوى الكتاب خرج من بين دفتيه يتجسد أمامك ويغذى خيالك الصوري بسخاء.

حظيت بتلك الصدفة ثلاث مرات أولها في المدينة المنورة عندما قرأت رواية حسناء الحجاز، والأخرى في أسبانيا مع رواية ليون الأفريقي. وآخرها الصيف الماضي في الأردن عندما كنت أقرأ السيرة الذاتية Married to a Bedouin

*** *** ***

نظرة: "الكلمات مركباتنا، رحلاتنا الجوية وأوطاننا في الوقت نفسه" آندي ميلر

جميع الحقوق محفوظه © لا شيء يمنعنا من أن ننظر أبعد قليلاً من أنوفنا

تصميم الورشه